Friday, October 15, 2010

المثلية الجنسية (3) ... التكملة



سارتر والمثليون: سوء تفاهم

يتعرّض سارتر، هو الآخر، إلى انتقادات لاذعة أحياناً، من طرف بعض الحركات الجنسمثلية، والتي وإن كانت تسجل لصالحه بعض الاختراق الإيجابي للموضوع، في كتابه الشهير، "الوجود والعدم"، إلا أنها لم تشفع له الصورة السلبية للمثليين في العديد من أعمالة الروائية والمسرحية، حيث يصبح الجنسمثلي لوسيان فلورييه، في قصة "طفولة زعيم"، من بين أعضاء اليمين المتطرف قبل أن يتحوّل إلى متعاون مع الاحتلال النازي.
وفي مسرحية "الجلسة المغلقة"، تجد امرأة جنسمثلية نفسها في جهنم داخل غرفة مغلقة، وفي رفقتها الأبدية رجل وامرأة جنسغيريان، عقوبتهما أنهما سيعجزان عن ممارسة الجنس أمام أنظار ممتعضة لامرأة لا تشاركهما نفس الميل، وعقوبة هذا الأخيرة أن ترى ما لم تكن تحبّ، وهنا سيطلق الرّجل عبارته الشهيرة: جهنم هي الآخر.
وراء ما يبدو وكأنها صور سلبية للمثليّ وللمثلية، فإنّ المعادلة الصعبة التي جابهها سارتر، تتعلق بالسؤال التالي: كيف نجعل الشخص المثلي يتحرّر من الشعور بالذنب، والذي قد يسوقه أحياناً، إلى اختيارات سياسية عنيفة ومتطرفة، ولو من باب التكفير على ما يراه المجتمع ذنباً، وذلك من غير أن نسلمه للحتمية البيولوجية؟ بمعنى كيف نجعل الجنسمثلي حرّاً ومسؤولاً عن اختياراته من غير أن يشعر بالذنب؟
وإن كانت الحتمية البيولوجية، شأنها شأن الجبرية الدينية، قد حرّرت الإنسان من الشعور بالذنب، إلا أنها في المقابل قد نزعت عنه حريته، أما وأنّ الإنسان محكوم عليه بالحرية، وأننا في كل لحظة نختار، كما يقول سارتر، فلا بدّ أن يجد هذا الأخير طريقة لتحرير المثليين من الشعور بالذنب من غير التفريط في قضية أنهم أحرار في اختياراتهم.
لقد أماط سارتر اللثام عن أمر بالغ الأهمية، ويجب على الحركات الجنسمثلية أن تأخذه بعين الاعتبار، وهو أن أسوأ ما قد يعانيه المثلي، فيسوقه إلى اختيارات سياسية متطرفة، كما فعل لوسيان في قصة "طفولة زعيم"، هو عقدة الشعور بالذنب، لذلك فمن مصلحة المجتمع أن يساعد المثليين على التحرّر من تجربة الشعور بالذنب، وذلك عبر اعتراف الجميع بأن الميول الجنسية للأفراد حقّ أساسي من حقوق الإنسان، ويبقى السؤال، ألا ينطبق هذا التحذير على الكثير من المتطرفين الدينيين أو الجهاديين، والذين يخفون خلف رداء الدفاع الشرس عن الشرف ميلاً لاشعورياً يشعرون معه دائماً بعقدة ذنب كامنة؟
وبالعودة إلى فرويد، ألا يكون المرض الفعلي، هو التعامل مع "المرض" وفق الشعور بالذنب بدل التعامل معه كشحنة للإبداع، للإندفاع، وللحياة غير المبتذلة؟
إن سارتر الذي لا يؤمن بوجود طبيعة بشرية ثابتة، وينفي إمكانية اختزال الإنسان في أي جزء أو جانب هوياتي، يضعنا أمام سؤال هام؛ هل بوسعنا أن نعترف بحقوق المثليين بناء على حق الإنسان في الاختيار، ومن غير أن نجعل هذا الإنسان يقع في تجربة الشعور بالذنب؟ أم أننا لا نستطيع أن نعترف بتلك الحقوق إذا لم نفترض وجود حتمية بيولوجية تحدد لنا مسبقاً ميولنا الجنسية؟ ألسنا هنا نمنح الحرية للإنسان بناء على أنه لا يستطيع أن يكون حرّاً؟ ألسنا هنا نستعيد الموقف الصوفي القديم والذي يدعو إلى التسامح مع اختيارات الناس بناء على أنهم لا يختارون إلا ما قدره الله عليهم؟
إن أهم ما انتبه إليه جان بول سارتر، لاسيما في روايته طفولة زعيم، هو أن شعور المثلي بالذنب، والذي هو محصلة تجريم العلاقات المثلية، قد يقود الأشخاص المثليين، إلى نوع من إسقاط الذنب على الذات، ومن ثمة النزوع إلى اختيارات سياسية تكفيرية ومتطرفة لمقاومة ميولاتهم المثلية، والواقع أننا نستطيع أن نستنتج بأن الاعترف بوجود ميول جنسمثلية متفاوتة التجلي والظهور لدى الغالبية العظمى، يعد طريقاً أساسياً لبناء مجتمع الوضوح والشفافية، فيه يتحقق مبدأ اعتراف الجميع بالجميع، والذي هو غاية التاريخ ومرمى العقلانية، وفق الأطروحة المركزية لهيجل.

نحو منظور كانطي للشهوة
يقول كانط بأن الإنسان غاية في ذاته، بمعنى أن الإنسان ليس وسيلة لأية غاية أخرى، وأن كل فرد هو غاية ذاته، وتبعاً لذلك، لا يحق لأي شخص أن يحط من قيمة الكرامة الإنسانية، سواء في ذاته، أو في ذات غيره، لايحق له أن يجعل من نفسه خادماً ومطيعاً لغايات أخرى.
لنضع أمام نصب أعيننا هذا المبدأ الكانطي الهام، ولنتساءل حول الموقف الذي يعادي ويجرم المثلية، معتبراً أن ما يبرر الشهوة الجنسية ويمنحها المشروعية، هو غايتها والمتعلقة بالتكاثر والتناسل، ويستنتج تبعاً لذلك، بأنه إذا كانت مشروعية الجنس الغيري مستمدة من تحقيق غاية الإنجاب، فإن الشهوة الجنسمثلية لا تبررها أية غاية، ولذلك فإنها تفقد مشروعيتها، وتستحق الإدانة والتنديد.
على ضوء المبدأ الكانطي إياه، ما عسانا نستنتج من هذا الاعتراض المناهض للحقوق الجنسية للمثليين؟
نستنتج من ذلك الاعتراض بأن الإنسان مجرّد أداة للإنجاب، وأن الشهوة الجنسية ليست غاية في ذاتها، ليست شيئاً مبرراً في ذاته، بل إنها تكاد تكون شيئاً غير مبرر بإطلاق، مجرّد فخ وضعته الطبيعة لغاية النسل، مجرّد طريق غبية نحو هدف أكثر ذكاء، وسيلة لا قيمة لها في ذاتها لو لم تبررها غاية سامية، وما هي هذه الغاية السامية؟ بعد الشهوة يجب أن ينتهي القذف إلى الرّحم مباشرة.
هكذا نفهم كيف أن إدانة الشهوة المثلية هي جزء من إدانة الشهوة الجنسية بأكملها، واعتبارها عملية مهينة لا تشفع لها سوى غايتها، والتي هي الإنجاب.
من هنا تمثل الشهوة المثلية انقلاباً في قيمة الشهوة الجنسية، انقلاب يتعلم منه الغيريون والمزدوجون بدورهم، كيف يتحرّرون من تصور الشهوة باعتبارها مجرّد وسيلة، والنظر إليها كغاية في ذاتها، وربّما هي أم الغايات كما سبق أن أقرّ الأبيقوريون قبل مئات السنين.

ماهو الزّواج المثلي؟
منذ بداياتها الأولى في سنوات الثمانين، واجهت الحركات المثلية تحدياً مفاجئاً، فقد تزامن ظهورها مع البدايات الأولى لظهور مرض الإيدز، ولم يكد ينفرط عقد الثمانين، حتى كان قد توفي عدد ملحوظ من المناضلين والفنانين والمفكرين المثليين، جراء المرض الجديد.
راهن الكثير من المحافظين على أن الإيدز هديتهم من السماء، وأنها الصخرة التي ستتحطم عليها موجة الحركة الجنسمثلية في مهدها، بل وستنكسر عليها كافة أشكال ومظاهر الحريات الجنسية، وهو الانتظار الذي لم يتحقق.
فبخلاف ذلك التوقع، تحوّلت المجموعات الجنسمثلية، من مجموعات مغلقة، متخفية وتعاني من الهشاشة والارتباك أمام انتشار المرض، إلى مجموعات علنية، شفافة ونشيطة في مقاومة مرضّ الإيدز، ومعه كافة الأمراض المنقولة جنسياً، وقد ساهمت تلك المجموعات، بنحو حاسم، في انحسار المرض، ولعلّ المرض دخل فعلاً، طور الانحسار داخل المجتمعات الأكثر شفافية وتسامحاً. على أنه ومن أجل كسب المعركة ضدّ المرض، تبنّت الحركات الجنسمثلية، داخل المجتمعات المتقدمة ثم خارجها، قضيتين أساسيتين: العازل الطبي والزّواج المثلي.
فقد كان التحدي المطروح أمام الجنسمثليين يتعلق بالسّؤال التالي:
كيف نحارب الإيدز، ومعه كافة الأمراض المنقولة جنسياً، من غير القضاء على الحرية الجنسية ومن دون المساس بكرامة الجنسمثليين؟
الذي يحمي الحرية حسب سارتر، هو المسؤولية والإلتزام.
حين ننقل هذا المبدأ السارتري إلى مجال الحريات الجنسية، ماذا نستنتج؟
نستنتج بأن الزّواج المثلي الذي اقترحته الحركات الجنسمثلية ضمن مطالبها، في مواجهة انتشار الإيدز، يمثل أيضاً، تكثيفاً لقيمة الحرية الجنسية من حيث هي مسؤولية متبادلة، التزاما واضحا، اعترافا متكافئا، وقبل ذلك، تعاقدا حرّا بين إرادتين حرّتين؛ إرادتان اثنتان فقط.
وإذا كنا قد أعلنّا منذ البداية، بأنّ دعم حقوق المثليين والمثليات، لا يشترط بالضرورة، الانحياز لأيّة فرضية من الفرضيات العلمية حول مصدر ومنشأ ميولنا الجنسية، فلأننا نعلم علم الحسّ السليم، بأنّ الوطن للجميع والفراش لاثنين فقط.

No comments:

Post a Comment