Monday, December 20, 2010

اخر البحوث حول ظاهرة المثلية في العالم العربي -2-

- نظرة الأديان إلى الشذوذ الجنسي
أ- موقف اليهودية
اعتبر العهد القديم اللواط " شناعة" يجب ان يعاقب عليها بالموت . فقد ورد في التوراة : "لا تضاجع ذكرا مضاجعة امرأة، إنه رجس" ( اللاويين 18: 22) وكذلك ورد ايضا في السفر نفسه: "إذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعل كلاهما رجساً. انهما يُقتَلان. دمهما عليهما" ( اللاويين 13:20). 

هذا في التوراة، اما بالنسبة لليهود المعاصرين، فتنقسم آراؤهم حيال المثلية الجنسية إلى موقفين: موقف اليهود المتشددين الذين لا يظهِرون تسامحاً أبداً تجاه الجنسيين المثليين، ويمنعون عليهم ممارسة المهن القيادية ويصرون على معاملتهم على أساس أنهم مرضى [14] . 

ويقابل هذا موقف متساهل لليهود الربانييين والحركات المحافظة، الذين يدعمون مسألة المساواة المدنية للمماثلين للجنس، ويستنكرون العنف الموجه ضدهم. ويرفضون الرأي الديني المعارض لهم، ويطلبون من رجال الدين مباركة زواج الجنسيين المثليين [15] .

ب- موقف النصرانية

تدين النصرانية الشذوذ الجنسي، وتحذر من مغبة القيام بهذا الفعل. جاء في الانجيل : "لا تضلوا، لا زناة، ولا عبدة أوثان، ولا فاسقون، ولا مأبونون، ولا مضاجعو ذكور.... يرثون ملكوت الله" ( كورنثوس الأولى 10، 6:9) .
والجدير بالذكر ان الكنيسة المسيحية تتعرض لضغوطات من قبل الشاذين جنسيا من اجل تغيير مواقفها من الشواذ ، ومن هذه الضغوطات ما تعرضت له الكنيسة الكاثوليكية من اجل مباركة زواج اللواطيين والسماح بتغيير الجنس وغيره. ولكن الكنيسة لم تغير موقفها، واصدر الفاتيكان وثيقة تمنع الشاذين جنسياً من كل السيامات وحتى من الزواج[16]. إلا ان هذا الرفض لم يمنع الكنيسة من ابداء بعض اللين، ففرقت بين من له مجرد ميل تجاه الجنسية المثلية دون ممارستها، وبين من يمارس الجنسية المثلية فعلياً، فحرمت هذا الفعل على الأخير، وأظهرت التسامح على الأول .
والجدير بالذكر أن مما ساهم في تغيير الكنيسة لمواقفها ظهور آثار الشذوذ عند بعض الكهنة الذين اخذوا يبررون ميلهم الجنسي بقولهم: " إن البتولية موجهة بالذات إلى الكهنة المغايرين للجنس، وهي مطلوبة منهم فقط، وعليهم الحفاظ عليها حسب ما تسمح لهم قدرتهم على تحملها. أما الكهنة المماثلين للجنس فهم يفتخرون بهذا التوجه الجنسي [17] " .

اما الكنيسة الأرثوذكسية فقد حافظت على موقفها المدين لممارسة الشذوذ واعتبرته خطيئة وفعلا لا أخلاقيا، وهي تعتقد بأن واجب الكنيسة هو السعي إلى إصلاح الشاذ عن طريق شفائه روحياً وجسدياً وليس مباركة ممارساته أو وإيجاد القوانين لتشريعها[18] .
ج- موقف الشريعة الإسلامية من الشذوذ الجنسي

1- موقف الشريعة الإسلامية من اللواط

لم ترد لفظة لواط في القرآن الكريم بشكل مباشر ، إنما ورد ذكر حكم قوم لوط عليه السلام الذين اجتمعوا على ارتكاب هذه الفاحشة . وقد ورد أيضاً وصف لحالتهم وسؤ فعلتهم بقول الله عز وجل : ﴿ وَلُوطاً إِذ قَالَ لـِقَومِهِ أ تَأتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِن أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ * إِنَّكُم لِتَأ تُونَ الرِّجَالَ شَهوَ ةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَل أَنتُم قَومٌ مُّسرِفُونَ ﴾ [ الأعراف /80-81] . كما جعل سبحانه عملهم من الخبائث بقوله :﴿ وَلُوطاً آ تَينَاهُ حُكماً وَعِلماً وَنَجَّينَاهُ مِنَ الـقَريَةِ الَّـتِي كَانَت تَّعمَلُ الخَبَائِثَ إِ نَّهُم كَانُواْ قَومَ سَؤ ٍ فَاسِقِينَ ﴾ [ الأنبياء /74] . وبيّن ايضا أنّ ما يعملونه عمل منكر ، ووصفهم بالإفساد والفساد ، قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُم لـَتَأتُونَ الرِّجَالَ وَتَقطَعُونَ السَّبِيلَ وَ تَأتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَومِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتِنَا بِعَذابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انصُرنِي عَلَى الـقَومِ المُفسِدِينَ ﴾ [ العنكبوت / 29-30] . ووصفهم الله تعالى بالظلم بقوله :﴿ وَلَمَّا جَاءَت رُسُلُنَا إِبرَاهِيمَ بِالبُشرَى قَالُواْ إِنَّا مُهلِكُواْ أَهلِ هَذِهِ الـقَريَةِ إِنَّ أَهلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ ﴾ [ العنكبوت /31] .
إضافة إلى ذلك بيّن الله سبحانه وتعالى أن أول عقاب وقع على قوم لوط هو طمس العيون، يقول تعالى: ﴿ وَلَقَد رَاوَدُوهُ عَن ضَيفِهِ فَطَمَسنَا أَعيُنَهُم فَذُو قُواْ عَذَابِي وَ نُذُرِ ﴾ [ القمر / 37] . والعقاب الثاني هو الفيضانات فيقول تعالى:﴿وَأَمطَرنَا عَلَيهِم مَّطَراً فَانظُر كَيفَ كَانَ عَا قِبَةُ المُجرِمِين ﴾ [ الأعراف / 84] .
هذا في القرآن الكريم اما في السنة النبوية الشريفة، فإن الأحاديث التي وردت في اللواط عديدة، منها قوله :( ملعون من عمل عمل قوم لوط) رواه الترمذي. وقوله :( لعن الله من عمل عمل قوم لوط ، لعن الله من عمل عمل قوم لوط ، لعن الله من عمل عمل قوم لوط ) رواه احمد.

أما أصحاب رسول الله فقد اتفقوا على أن من يعمل عمل قوم لوط فإن جزاؤه القتل ، وحجتهم في ذلك قول رسول الله : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) رواه احمد.
وجاء الخلاف بين أصحاب رسول الله في كيفية قتله ، فقال " عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من الصحابة والتابعين : يرمى بالحجارة حتى يموت أحصن أو لم يحصن . وحرق اللوطيين بالنار أربعة من الخلفاء : أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك " . وقال عبد الله بن عباس : " ينظر إلى أعلى ما في القرية فيرمي اللوطي منها منكساً ، ثم يتبع بالحجارة . وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله لقوم لوط " [19].

2- موقف الشريعة الإسلامية من السحاق

لم يذكر السحاق وحكمه بشكل صريح في القرآن الكريم ، اما في السنة النبوية الشريفة فهناك احاديث كثيرة تنهي وتحذر من عواقبه ، فقال :( السحاق بين النساء زنا بينهن). رواه الطبراني في الأوسط. وقال رابطا هذا الفعل وبين اقتراب الساعة: ( إذا استحلت أمتي ستاً فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، وشربوا الخمور، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، واكتفى النساء بالنساء والرجال بالرجال) رواه الطبراني في الأوسط .
هذا وقد استند فقهاء الإسلام على هذا الأحاديث من اجل تحريم السحاق واعتباره من الكبائر، واوجبوا عليه التعزير، واعتباره معصية لا حد فيها ولا كفارة .

ثانيا : واقع الشذوذ الجنسي في العالم العربي 

لم يعد الشذوذ الجنسي أمراً مخفيا في كثير من المجتمعات والطبقات، بل ان هذا الفعل اصبح أمراً مجاهراً به، حتى أن أي مراقب يستطيع أن يكتشف الشاب المثلي من غيره بمجرد مراقبة تصرفاته ولباسه، يقول احدهم : "إن المثليين يفصحون اليوم عن جنسانيتهم من خلال اسلوب ثيابهم. ان ارتديت تي شيرت ضيقة أو صارخة اللون، فسيظن الرجال الأسوياء انني احاول التباهي وحسب. يقول وهو يبتسم : لكن الرجال المثليين الآخرين سيدركون الحقيقة" [20].
إن هذا الخروج للعلن الذي يتَّبعه مثليو العالم العربي اليوم، يعود إلى سعيهم الدؤوب على الصعيد الفردي والجماعي من اجل دفع الناس إلى تقبّلهم، مستفيدين بذلك من الدعم الذي تقدمه لهم المؤسسات الدولية، وجمعيات الدفاع عن حقوق الشاذين في العالم. وقد تجلى هذا الدعم في مواقف عدة ، من بينها ذلك الموقف الذي حدث في العام 2008م. عندما قامت 117 منطمة تعمل في مجال الصحة وحقوق الانسان بالاعتراض على حكم محكمة جنح قصر النيل التي قضت بالحكم 5 سنوات على خمسة مصريين، بتهمة الشذوذ [21] .

ومنها ايضا اعتراض منظمة " هيومان ووتش" على قيام السلطات السعودية في 6 حزيران 2009م باعتقال 67 رجلا في العاصمة الرياض بسبب ارتدائهم ملابس نسائية في إحدى الحفلات[22] .

إن هذا الدعم الكبير الذي يناله هؤلاء الشاذون ساهم في تزايد عدد المثليين في العالم العربي . ففيما قدر الكاتب نبيل فياض[23] - احد المدافعين عن حقوق الأقليات- بأن عدد المثليين والسحاقيات في بلد مثل سوريا يفوق كل التوقعات حيث بلغت نسبتهم العشرين بالمئة[24]، نجد ان بيروت تحتل الصدارة في هذا المجال[25]، حيث اصبح لهؤلاء ظهورهم العلني ، ولهم جمعياتهم الخاصة التي تدافع عنهم .

يتبع .... في الجزاء القادم سنرى 
صور التعبير عن الشذوذ في العالم العربي
العوامل المساهمة في انتشار الشذوذ الجنسي

Friday, December 10, 2010

اخر البحوث حول ظاهرة المثلية في العالم العربي


بسم الله الرحمن الرحيم
 
المقدمة
 يعد موضوع الشذوذ الجنسي من احدث المواضيع التي تثير اهتمام الناس على مختلف مشاربهم الدينية والفكرية والاجتماعية ،  وذلك بسبب انتشار هذه الظاهرة في العالم العربي، وانتقال دعاتها من مرحلة الدفاع إلى الهجوم،   وتحديّهم للقوانين والشرائع التي تحرم هذا الفعل وتجرمه.  
إن هذه الاسباب، إضافة إلى أسباب اخرى سيرد ذكرها في هذه الدراسة، ان شاء الله تعالى،  هي التي تجعل مثل هذه الدراسة حاجة وضرورة تساعد في تحديد الأبعاد والأسباب والنتائج التي تترتب عن تزايد هذه الظاهرة في المجتمعات العربية.
هذا وقد واجهت الدراسة بعض الصعوبات، والتي من بينها :
1- ندرة الأبحاث والدراسات التي تناولت هذا الموضوع بشكل مباشر  .  ولعل من اهم الكتب التي عثرت عليها، ثلاثة : كتاب "الحب الممنوع، حياة المثليين والمثلييات في الشرق الأوسط"، لـ "براين ويتاكر" . وكتاب "المتعة المحظورة، الشذوذ الجنسي في تاريخ العرب"، لـ " ابراهيم محمود"،   وكتاب "الشذوذ الجنسي عند المرأة"، لـ "هدى الخرسه".
2- صعوبة الحصول على الأرقام الصحيحة حول مدى انتشار هذه الظاهرة ، والسبب في ذلك يعود اما لغياب الاحصاءات الرسمية ، أو بسبب تضخيم الجهات الداعمة للشذوذ الجنسي لبعض الأرقام، وذلك من اجل التعظيم من شأن الشواذ ومدى انتشارهم،  واخيرا بسبب التكتم الذي يحيط بمثل هذه الانحرافات  في بعض المجتمعات .
هذا وقد عمدت في هذا البحث إلى التعريف بالمصطلح ودلالته، وبمدى انتشار هذه الظاهرة عبر التاريخ إلى يومنا الحالي، وبيان موقف الأديان من هذا الجرم، والعوامل والآثار والنتائج المترتبة على هذا الفعل .

أولا : الشذوذ الجنسي عبر التاريخ
1- مفهوم الشذوذ الجنسي ودلالته
وردت في اللغة العربية الفاظ وعبارات كثيرة استخدمت في التعبير عن الشذوذ الجنسي،  منها : اللواط، المساحقة، اتيان البهائم، جماع الأموات. وغير ذلك من الألفاظ التي تعبّر عن فعل واحد من افعال الشذوذ،   اما استخدام عبارة الشذوذ[1] الجنسي للدلالة على هذه الأفعال مجتمعة،  فقد جاء مع الانفتاح الفكري في الغرب، وما نتج عنه من علوم عنيت بتحليل بعض الظواهر الاجتماعية المنتشرة في المجتمعات وبيان أسبابها ونتائجها. ومن هذه العلوم علم النفس الذي ساوى بين لفظة الشذوذ والانحراف، واعتبر بأن الشاذ او المنحرف "هو الذي يمارس انحرافات أو صور نشاط تناسلي ليس في اتفاق مع الثقافة أو الأعراف العامة لمجتمعه أو دولته [2] . 
على ان هذا التعريف " للشذوذ الجنسي"  لم يبق على حاله، فمع  بدء الدعوات إلى التعاطف مع الشاذين جنسيا في العالم، بدأت تغيب عبارة "الشذوذ الجنسي" من كتب علم النفس  وتم استبدالها بعبارة "المثلية الجنسية"، وهي تعريب للمصطلح الإنكليزي Homosexuality . وكذلك حصل هذا التبديل في  الطب العصبي، الذي كان حتى سنة 1953 م. يصنف الجنسية المثلية على أنها نوع من الاضطراب الجنسي لشخصية مصابة بمرض عقلي "psychopathic personality" ، إلا انه واثر  تحرك بعض الناشطين المؤيدين للشذوذ الجنسي،  تم حذف مصطلح الجنسية المثلية من دليل الأمراض العقلية ليوضع مكانه " اضطراب في التوجه الجنسي sexual orientation disturbance " [3]  .     
 
2- الشذوذ الجنسي عبر التاريخ
عُرف الشذوذ الجنسي في مختلف الأزمنة والعصور. واول من جاهر  به هم قوم لوط ، لذلك أصبح هذا الفعل يُسمى باسمهم . اما أول من قام بالسحق فهم أهل الرس[4]، وقيل هم أصحاب الأخدود، وقيل هم بقايا من قوم ثمود  [5]. وبعد ذلك فإن هذا الفعل عرفته  كثير من الأمم الغابرة، كما ذكر ذلك علماء التاريخ . من هذه الأمم الاشوريين، والبابليين والمصريين، والهنود، واليونانيين، والفرس. 
فعند الهنود مثلا خص البراهمة  "الغلمان ليتمتعوا بما في صباهم من سحر وفتنة وينعموا بأصواتهم الحادة، إذ كان هؤلاء المخصيون محط رعايتهم وتدليلهم" [6]. اما عند اليونانيين فقد كان هذا الفعل موجود عندهم  في الأوساط العلمية والفكرية خاصة . وقد  نقلوا هذه الآفة إلى الفرس الذي كان كتابهم الأفستا  يحرمها ويراها "شذوذاً وجريمة شنعاء لا يجوز، بأي حال من الأحوال، الصفح عنها " [7] ".
هذا وقد عرف هذا الفعل عند العرب ايضا ، وكانت تنشد اشعار "في وصف الشذوذ الجنسي في ضروبه المتنوعة، سواء بين الرجال بعضهم ببعض، ام بين الرجال والغلمان ، ام بين النساء بعضهن ببعض، بالإضافة إلى تأليف كتب كانت تذكر فيها افعال وآداب في ممارسة الشذوذ الجنسي "[8].
وقد استمر الشذوذ عبر العصور ، وعرفته كثير من الأمم، ومن بينها الأمم الغربية، ويذكر الفيلسوف الفرنسي  فوكو Foucault بأن  فهم الغربيين للجنسية المثلية يتأتى من معايشة مرحلتين: المرحلة الأولى كانت عندما حاول المحللون النفسيون في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي إعادة تعيين الجنسية المثلية من منظور علماني؛ بعيدا عن الحكم المسيحي الذي حرم مثل هذا الفعل. والمرحلة الثانية كانت عندما  استطاعت تلك الأقلية الشاذة التي اختلقها المحللون النفسيون تحويل هويتهم الجنسية إلى مصدر قوة لهم وتناصر[9] .
وكان من نتائج تشريع علماء الغرب لهذا الفعل أن انعكست نتائجه على الصعيد الواقعي والتشريعي. حيث تغير واقع الشاذين جنسياً بعد الفترة التي عرفت بالثورة الجنسية، وبدأ ظهور هؤلاء يأخذ طابعا علنيا.  ومن مظاهر هذه العلنية  اجتماعهم في العام 1968م. في فندق ستون وول في نيويورك، والذي نتج عنه اندلاع أعمال الشغب لثلاثة أيام متواصلة، نادى فيها الشاذون بسقوط الرجعية الجنسية[10]  .
ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن يتزايد سعي هؤلاء إلى تشريع وجودهم شيئا فشيئا،  لدرجة ان بعض العقلاء من ابناء الغرب بدأوا يدقون ناقوس الخطر، ومن هؤلاء الرئيس الاميركي الاسبق "نيكسون"  الذي اعتبر "ان هؤلاء الشاذين يقوضون أركان المجتمع، وإن الذي أضاع الامبراطورية الاغريقية هو الشذوذ الجنسي ، فأرسطو كان شاذا وكذلك سقراط! وأن الذي هدم الامبراطورية الرومانية هو انحلال الأباطرة، ومضاجعة البابوات للراهبات! ويخلص نيكسون في النهاية إلى أن أميركا تتجه الى المصير ذاته!  "[11] .
ولقد كان من نتائج تكاثر الشاذين جنسياً في العالم الغربي أن اصبحوا يشكلون قوة ضاغطة على ارض الواقع، مما دفع بكثير من الدول إلى تعديل قوانينها التي تجرم الشذوذ الجنسي حتى تتماشى مع رغبات الشواذ في بلادها ، ومن بينها  القانون البريطاني الذي لم يعد يعتبر منذ  سنة 1967م.  الشذوذ الجنسي فعلا جرمياً ما دام قائماً بين اثنين راشدين، بالغين، ومتفقين على ممارسة هذا الفعل. وكذلك فعلت كل من سكوتلاندا، وشمال إيرلاندا، وكندا، ونيوزلاندا، وأكثر من نصف الولايات المتحدة الأميركية[12]    .
هذا وقد تم إقرار زواج الشواذ جنسياً  في ست بلدان في العالم وهي النرويج،  هولندا، بلجيكا، إسبانيا، كندا، وولاية ماساتشوستس الأمريكية[13] .
في تكملة للبحث ... 3- نظرة الأديان إلى الشذوذ الجنسي 
د. نهى قاطرجي
للمحافظة على الملكية الفكرية لم يتم استبدال كلمة شذوذ بكلمة مثلية لكن موقفنا من لفظ كلمة شذوذ لم يتغير 


Friday, November 12, 2010

ما علاقة العلمانية بالمثلية.!؟


من المؤسف حقاً أن الغبار الكثيف الذي أثاره ويثره المتزمتون دينياً حول العلمانية والعلمانيين منذ عقود، وحملات التضليل والتزييف مازالت مستمرة بأشكال وعناوين مختلفة والهدف واحد هو منع انتشار العلمانية في مجتمعاتنا العربية، بحجب معناها وطبيعتها عن الناس وتنفيرهم منها، وتحفزيهم على مقاومتها من خلال إلصاق التهم كيفما كان بالمؤمنين بها بأنهم ليسوا إلحاديين فقط، بل ومنفلتين أخلاقياً.


هذا ما فهمته لدى قراءتي لمقالة السيد حسان محمد محمود المنشورة على موقع سيريا نيوز بتاريخ 8/10/2010 بعنوان " يا لوطيي و سحاقيات العرب...اتحدوا !" ربط فيه بين المثليين جنسياً وبين العلمانيين، حيث بدأ باتهام بعض العلمانيين بقوله:( إلى متى يبقى بعض العلمانيون العرب مصرون على طلب "البوظة" فيما جماهير مجتمعاتهم تشيّع كل يومٍ جزءاً من أرضها وكرامتها وكبريائها وأبسط مقومات عيشها الكريم؟) ثم يختم الكاتب مقالته بتوجيه الاتهام إلى كافة العلمانين العرب بقوله :( وأحسب أن شعار "يا لوطيي وسحاقيات العرب...اتحدوا" ليس مناسباً للمرحلة، ليس مناسباً إطلاقاً سادتي العلمانيين، وأظنه يرسخ حالة الاحتقار المتبادل بينكم وبين شعوبكم، تماماً كما هي علاقة الاحتقار المتبادل بين المالومعظم الفقراء في هذا العالم العربي الشا.....سع.).


يعلن السيد حسان محمود أنه ضد المثلية والمثليين، وهذا حقه، ولكن ليس من حقه رمي التهم جزافاً واتهام العلمانيين وزجهم في أمور لا علاقة لهم بها، ثم من قال للسيد الكاتب أن من كتب دفاعاً عن حقوق المثليين هم من العلمانيين؟ وعلى فرض أنهم علمانيون ، فهل يجوز أن نتهم جميع العلمانيين العرب بذلك لمجرد أن واحد أو اثنين - على ما أعتقد- قد دافعوا عن حقوق المثليين..؟
أن تكون ضد العلمانية فلا بأس عليك، وأن تكون ضد المثلية فهذا حقك، المهم أن يبقى هناك مكاناً للكلام وفسحة للحوار، لكن أن يصل الأمر بالبعض إلى اتهام العلمانية بالانفلات الأخلاقي ووصف العلمانيين العرب بأنهم محتقرون من شعوبهم؟ فهذا أمر يخرج عن مجرد إبداء رأي أو اتخاذ موقف ليصل إلى حد التجريح والتشهير والتهويل والتحريض قد يهدد العلمانيين العرب في حياتهم وأموالهم بحجة الدفاع عن الشرف والأخلاق والدين.
إنها حملة مبرمجة الهدف منها ليس تضليل الشعوب العربية بل وإخافتها من العلمانية والعلمانيين تارة تحت ستار بأن العلمانية ضد الدين، وتارة أخرى تحت ستار أن العلمانية تدعو إلى الانحلال الأخلاقي ونشر المثلية ، مع تكرارنا الممل أن العلمانية غير الإلحاد وليست إنحلالاً ، فالمثلية لم تأتينا من الغرب، بل كانت ومازالت موجود في مجتمعاتنا قبل أن يكون هناك غرب وشرق فهل كان الشاعر أبو النواس نديم الخليفة العباسي هارون الرشيد علمانياً عندما كان يتغنى ويتفاخر بعلاقته مع الغلمان :
فإن أردتم فتاة أتيتكم بفتاة
وإن أردتم غلاماً رأيتموني مؤاتي
فثاوره مجوناً في وقت كل صلاة
فالعلمانيون العرب الذين يراهم السيد حسان محمود محتقرين من شعوبهم، لا يدعون إلى الانحلال الأخلاقي والمثلية، ببساطة شديدة إنهم يدعون إلى أن تقف دولنا العربية موقف الحياد من العقائد والمذاهب التي تدين بها مكونات شعبوبها، بمعنى ألا تكون في قراراتها وسياساتها وخططها وتعييناتها – بما في ذلك مناهجها التعليمية وسياساتها الإعلامية والثقافية - منطلقة من مذهب أو دين معين، وإن كان مذهب أودين الأغلبية، لما في ذلك من تهميش لعقائد الآخرين وتمييز ضدهم وإخلال بمبادئ المساواة والعدالة والمواطنة. ولا يدعون إلى التقليل من شأن الدين ومكانته السامية في النفوس ودوره المؤثر في المجتمع، بل يدعون إلى عدم إقحام الدين في الشأن السياسي اليومي المتحول أو في اللعبة السياسية المتذبذبة يسارا ويمينا، وحفظ هيبته ومنزلته وتنزهه من السقوط في وحول السياسة التي تتغير قواعدها وآلياتها بتغير الأهواء والظروف والشخوص والمصالح.


هذه هي العلمانية التي يدعو العلمانيون العرب إلى تطبيقها في بلداننا العربية، والتي سبقنا الغرب الذي ننعته بالكفر والرذيلة إلى تطبيقها منذ عام 580 هجري، عندما ثار فقهاء العرب على تعاليم ابن رشد واتهموه بالزندقة فحاكموه وأحرقوا كتبه الفلسفية التي التهمتها العقول في الغرب، بعد أن حولناه بأيدينا إلى رماد ، بينما حولها الغرب إلى نور مزقت ظلمتهم لتنير الطريق أمامهم وصولاً إلى عصر النهضة..وهكذا غربت العقول في مجتمعاتنا بعد أن كُبلت وسُجنت في غياهب الظلام، لتشرق في دول الغرب بعد أن تحررت الأفكار وساد الفكر التنويري ، فيما نحن مازلنا نحن نعيش اليوم في ظلام وتخلف وانحطاط وننتظر ما يأتينا من الغرب من صناعات وابتكارات واختراعات ونعتاش على ما تنتجه الدول الغربية التي اعتمدت منهج العقل وأخذت بالعلمانية كمنهج ووسيلة لتنظيم العلاقة بين ما هو سياسي وما هو ديني، بينما نحن مازلنا نعيش على الأطلال والأمجاد الغابرة وندبج المقالات والدراسات فخراً بأننا كنّا سبباً في نهضة تلك الدول الغربية والتطور والتقدم العلمي.


ترى لو أن الدول الغربية التي أخذت بالعلمانية ارتضت لنفسها بما كان يجرى من قمع لحرية التفكير وحجر على العقول وتدخل في كل قرار دنيوي على يد الكنيسة ورجال الدين وتفسيراتهم، هل كانت استطاعت أن تحقق نهضتها الراهنة وأن تصل إلى ما وصلت إليه من إنجازات في شتى المجالات الإدارية والحقوقية والتربوية والعلمية والصناعية والاقتصادية إلا بعد أن تحررت من سطوة الكنيسة وتفسيراتها المتشدد، وليس من الدين نفسه، وأقامت الدولة المدنية العلمانية ؟ أم كان سيكون مصيرها كمصيرنا نحن العرب بعد أن ارتضينا الارتهان لرجال الدين وتفسيراتهم تفعل فعلها في أدق تفصيلات حياتنا اليومية منذ إحراق كتب ابن رشد.


المحامي ميشال شماس:( كلنا شركاء)
لقراءة مقال يا لوطيي و سحاقيات العرب...اتحدوا !

المحامي ميشال شماس - كلنا شركاء
 

Wednesday, November 10, 2010

المثلية الجنسية (4)

المثليّة الجنسيّة في الكتاب المقدّس العبراني

ومضات من التاريخ
ليس من السهل الكتابة برصانة في موضوع كالمثليّة الجنسيّة، لم يتم التعامل معه عبر الكتابات العربيّة، قديمها وحديثها، إلا من منظور الإدانة أو التفكّه. إن شعباً يشكو من القحط المعرفي، كالعرب، يتعامل بنوع من الخرافيّة المعادية للعقل والإنسان مع الجنسانيّة sexuality الأنثويّة التي تعتبر طبيعيّة، لا يمكن أن نتوقع منه أن يتعامل بحياديّة موضوعيّة مع جنسانيّة تصنّف حتى في بعض الدوائر ضمن الدول المتقدّمة بأنها غير طبيعيّة أو " شاذّة "، كالمثليّة الجنسيّة. من هنا، فإن مقاربة هذه الظاهرة التي استفحلت للغاية في الدول الناطقة بالعربيّة بجديّة بحثيّة بعيداً عن الاستعراض الذي اعتمدته بعض المحطات التلفزيونيّة أو الصحف في مناقشة الموضوع، يمكن أن يساهم ليس في حل هذه المشكلة، لأنها ببساطة ليست مشكلة، بل في تقديم المثليّة الجنسيّة دون تزويق مبالغ به أو إدانة متطرّفة لمجتمعات تعاني من رهاب الجنس. بالمقابل، قد يساعد هذا الملف في مصالحة المثلي مع ذاته الجنسيّة؛ في تقبله لأناه، عوض رفضها عبر ممارسات ارتكاسيّة لا تبعد كثيراً عما يمكن وصفه، بكل أسف، "العهر الذكوري".
في حلقات ملفنا الثلاث هذه سنتناول دون تفصيل ممل مسألة المثليّة الجنسيّة: الحلقة الأولى تحكي عن المثليّة الجنسيّة تاريخيّاً، إن في اليهوديّة – أول من أدان المثليّة الجنسيّة من الأديان – أو في الإسلام؛ مع توقف سريع عند كتاب هام، اخترناه من مجموعة أعمال تراثيّة ليست كثيرة، تناولت ضمن أمور أخرى المثليّة الجنسيّة في التراث العربي: نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب؛ الحلقة الثانية تتناول الحياة السريّة للمثليين الجنسيين في دمشق كما عرفناها، مع تركيز على بعض مواقع الشبكة العنكبوتيّة التابعة للمثليين الجنسيين ودورها في تسهيل التعارف المثل- جنسي؛ وأخيراً نتناول بنوع من التبسيط مقاربة المثليّة الجنسيّة من منظور التحليل النفسي وعلم الجينات.

الإعاقة المركّبة
ضمن عملنا التطبيقي على ملف المثليّة الجنسيّة الذي استغرق نحوا من عام ونصف، كان السؤال الدائم الذي طرحناه على المثليين الجنسيين الذين عرفناهم أو صادقناهم: " لو كان الخيار بيدك، هل كنت تفضّل أن تكون مثليّاً جنسيّاً أو مغايراً جنسيّاً؟ ". كان الجواب الدائم، أنه لا أحد يفضّل أن يكون مثليّاً جنسيّاً على الإطلاق؛ بل أقول بثقة بابوية، إن بعضهم بدا أقرب إلى البكاء وهو يحكي عن معاناته من جنسانيته. من هنا، كان عنوان الملف: الإعاقة المركّبة. مما لا شكّ فيه أن المجتمعات كلها في السنوات الأخيرة صارت تبدي نوعاً من التعاطف مع المعاقين، إن جسديّاً أو عقليّاً، لا يمكن إلا أن يلفت الأنظار. بل إنها صارت ترفض التعبير "معاقين"، حفاظاً على مشاعر هؤلاء، ودخل التداول العالمي مصطلح "ذوي الاحتياجات الخاصّة". والحقيقة التي لا غبار عليها أن معظم الإعاقات أسهل تحمّلاً على صاحبها من المثليّة الجنسيّة. إن أهم عنصرين في الحياة البشرية هما الاستمرارية والاستقرار. المثلي الجنسي، عموماً، يفتقد هذين العنصرين. فهو غير قادر على الاستمرارية عبر التناسل الطبيعي لأنه يميل فطريّاً إلى أبناء جنسه، الأمر الذي يحول بينه وبين التواصل البشري من خلال الإنجاب، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، سوف نشرح في الملف الثالث الأسباب التي تحول بين المثل-جنسي والاستقرار بكافة أشكاله عموماً، وهو ما يبدو أقرب إلى المألوف في حياة المغاير جنسيّاً. إذن، إن معظم المعاقين جسديّاً يتمتعون بوجودهم البشري أكثر بكثير من المثليين الجنسيين، الذين يعيشون إعاقة مركّبة: معاقون عن الحياة الإنسانيّة العاديّة، ومعاقون برفض المجتمع لإعاقتهم، عوض التعاطف معهم، ومساعدتهم.
ترجع مسألة المثليّة الجنسيّة في اليهوديّة إلى سفر اللاويين، الذي يصف المضاجعة الجنسيّة بين الذكور بأنها "قبيحة"، يمكن أن يستحقّ فاعلوه عقاباً كبيراً؛ مع أنّ المحاكم الهالاخيّة غير مؤهلة لتطبيق هذا النوع من العقاب في غياب الهيكل في القدس. يقول سفر اللاويين، 22:18،  : " والذكر لا تضاجعه مضاجعة النساء، إنّها قبيحة ". ثمّ يقول السفر ذاته، 13:20، : " وأيّ رجل ضاجع ذكراً مضاجعة النساء، فقد صنع كلاهما قبيحة، فليقتلا: دمهما عليهما". إن تعبير"توئيفا" المترجم عادة بلفظ "قبيحة"مستخدم في التوراة للإشارة إلى جملة من الممارسات المحظورة. في التلمود، كعادة العبرانيين، نجد أن توئيفا اختزال لجملة توئيه أتا فاه (أنت مضلل بها ).

لوط:
أوّل إشارة في الأدب الدينيّ إلى المثليّة الجنسيّة في ما يسمّى بالأديان السماويّة، هي حديث الإصحاحات 11-14، 19، من سفر التكوين، عن لوط לוֹט، ابن أخ إبراهيم، الذي يقال إنّه غادر مدينتي سدوم وعمورة بسبب الآثام التي كان يرتكبها سكانّهما، أي المثليّة الجنسيّة. فبعد أن ذهب لوط وعائلته مع إبراهيم وعائلته من أور الكلدانيين إلى مصر، اصطحب إبراهيم لوطاً معه بعد أن أمره الله بأن يذهب إلى أرض كنعان. لكنّ قطعان الماشية عند كلا الطرفين والشّجار بين الرعاة جعل استمرار لوط وإبراهيم معاً أمراً صعباً. فارتحل لوط نحو الجنوب الشرقي إلى السهوب المجاورة لمدينتي سدوم وعمورة. في الإصحاح 19 من سفر التكوين تصل الأسطورة التوراتيّة إلى إحدى قممها الهامّة. فحين يقرّر الله تدمير مدن السهل الخمس وقلب عاليها واطيها، يرسل ملائكة إلى مدينة سدوم حيث يلتقون لوطاً عند بوابات المدينة. يبدو قلق لوط كبيراً في أنّه على الملائكة أن يمضوا الليل في منزله في حين يصرّ الملائكة على البقاء في الشارع. لكنّ لوطاً يضغط عليهم بشدة ليقنعهم أخيراً في البقاء عنده. مع ذلك يحاصر أهل المدينة بيت لوط وفي نيتهم "معرفة" الملائكة (معرفة تعني تقليدياً المضاجعة الجنسيّة). يقدّم لهم لوط ابنتيه العذراوين عوض الملائكة، لكن الأمر لم يكن يعنيهم. تقرّر الملائكة تحذير لوط من الكارثة المريعة التي كانت على وشك الحدوث. ويطلب من لوط وزوجته وبناته وأصهاره أن يغادروا. لم يأخذ أصهاره تحذير الملائكة على محمل الجدّ. ويتريّث لوط. تأخذ الملائكة لوطاً وبناته وزوجته من أيديهم وتجبرهم بالقوّة على مغادرة البيت، قائلين لهم: "انج بنفسك. لا تلتفت إلى ورائك ولا تقف في السهل كلّه، وانج إلى الجبل لئلا تهلك". يستعطف لوط الملائكة، الذين يوافقون على إمكانية لجوئه إلى صوعر، إحدى المدن الخمس المهددة بالدمار. أمّا زوجته، التي تنظر إلى سدوم، فتتحوّل إلى عمود ملح. الأغرب في هذه الأسطورة التوراتيّة أنه بعد أن يغادر لوط صوعر، يلجأ مع ابنتيه إلى كهف في جبل مجاور. تعتقد الابنتان أنّهما وحدهما من بقي على قيد الحياة بعد الكارثة [نلاحظ هنا غياب إبراهيم وعائلته بالكامل ]. وتعتقدان بالتالي أنّ مسئوليتهما تكمن في أن تحملا من أجل استمرار الجنس البشري. وفي إحدى الليالي، وفق خطّة أعدتها البنت الكبرى، تسكر الابنتان أبيهما، وتضاجعانه. تحمل ابنتا لوط من والدهما. ووفق الأسطورة ذاتها، تنجب إحدى الابنتين ولداً تسمّيه موآب (أب المؤابيين) [اسمه بالعبرية م-آب: أو من الأب، أي ولد من والد الابنة] والثاني عمون أو بن-عامي [ بالعبريّة، ابن الشعب ]، الذي هو أب العمونيين. فإذا افترضنا أنّ المثليّة الجنسيّة "قبيحة" يهرب منها لوط، كيف يمكن أن نفسّر مضاجعته لابنتيه في فعل يبدو أكثر رفضية من المثليّة الجنسيّة بكثير؟ داوود ويوناتان: شخصيتان بطوليتان في تاريخ مملكة إسرائيل، دونت علاقتهما الحميمة للغاية في سفري صموئيل من العهد القديم. يغطّي سفر صموئيل الأوّل معظم قصة الرجلين، مع أنه يمكن أن نصادف عناصر من تلك القصة في سفر صموئيل الثاني. الروايات تتناول قصّة صعود داوود إلى مركز القرار، التي تعتبر عموماً أحد مراجع التاريخ التثنوي [ من سفر التثنية ] وإضافاته اللاحقة.

ما يهمّنا هنا هو قصة حياة داوود، من يوم قُدّم لشاؤول، إلى يوم توّج ملكاً على إسرائيل، في الوحدة الإجماليّة المعقدة التي يسمّونها، "قصة ارتقاء داوود العرش"، والتي تقع بين 1 صم 16 و2 صم 5. وقعت خصومة مميتة بين داوود وشاؤول. فاضطر الأول للهرب والتخفّي. ورغم تدخّل يوناتان، ابن شاؤول، لصالح حبيبه، إلا أن داوود أجبر على المغادرة. ورغم وضوح التعابير العاطفيّة في السفرين، فالتفسير الديني أو التقليدي ينظر إلى هذه العلاقة على أنها حبّ أفلاطوني ومثال على المثليّة- الاجتماعيّة homosociality [ تعبير يصف علاقات بين أشخاص من الجنس ذاته، لا تتضمن بالضرورة ممارسات جنسيّة، لكن لا تنفيها]. في القرون الوسطى نجد في بعض أدب عصر النهضة إشارات إلى قصة داوود ويوناتان باعتبارها أمثولة لعلاقات شخصيّة قويّة بين ذكرين، لا تخلو من حبّ رومانطيقي. في العصر الحديث، أكّد بعض الباحثين، بمن فيهم إسرائيليون، على ما فسّروه بأنّه عناصر مثليّة- إيروتيكيّة [ تعبير يشير إلى نوع من الحبّ والرغبات بين أطراف من الجنس ذاته، كما ترد في الفنون البصريّة أو الأدب المكتوب]. لنقرأ الآن ما يقوله 1 صم عن هذه العلاقة: " ولما انتهى داوود من كلامه مع شاؤول، تعلقت نفس يوناتان بنفس داوود، وأحبّه يوناتان حبّه لنفسه… وقطع يوناتان مع داوود عهدا، لأنه أحبّه حبّه لنفسه. وخلع يوناتان الرداء الذي عليه ووهبه لداوود مع سائر ثيابه، حتى سيفه وقوسه وحمالته " ( 18: 1-4). " وكلّم شاؤول يوناتان ابنه وكلّ حاشيته بقتل داوود، وكان يوناتان بن شاؤول يحبّ داوود حباً شديداً " ( 19: 1-2 ). " عاد داوود وحلف فقال: إنّ أباك [ شاؤول ] قد علم أنّي قد نلت حظوة في عينيك؛ فقال في نفسه: لا يعلم يوناتان بهذا لئلا يحزن" ( 3:20 ). " فغضب شاؤول غضباً شديداً على يوناتان [ ابنه ] وقال له: يا ابن الفاسدة المتمرّدة! ألم أعلم أنك قد تحزّبت لابن يسّى [ داوود ] لخزيك وخزي عورة أمك؟ " ( 30:20 ). " فقام داوود من عند الأكمة وارتمى على وجهه إلى الأرض … وقبّل كلّ منهما صاحبه، وبكى كلّ منهما إلى صاحبه، وكان بكاء داوود أشدّ" ( 41:20 ). وبعد موت يوناتان،رثاه داوود؛ فقال: " كان حبّك عندي أعجب من حبّ النساء " ( 2 صم 26:1 ).

وهكذا، ننهي مقاربتنا إلى المثليّة في الكتاب المقدّس العبراني برأي مفاده أنّ علاقات داوود ويوناتان كانت أكثر من مثليّة- اجتماعيّة: هذا ما أورده كلّ من الباحثة الكتابيّة سوزان أكرمان والمستشرق جان-فابريس نارديللي. يرى الباحثان أنّ رواة سفري صموئيل قاموا بنوع من التشفير للتلميحات المثليّة بحيث يدخلون في الذهن أنّ البطلين كانا محبيّن. وتفسّر أكرمان هذا الوضع على أنه حالة مثليّة- جنسيّة ذات علاقة بعتبة الشعور، استخدمها محرّرو السفر كوسيلة نصيّة لتأكيد حقوق داوود على يوناتان: الأخير يتخلّى طوعياً عن مكانته الأميريّة عبر الانحناء، وهنا نتحدّث جنسيّاً، إلى الأوّل. يخالف نارديللي أكرمان الرأي ويقول إنّ العهود التي أدخل فيها يوناتان داوود بوصفه الشريك الأعلى رفعت تدريجياً من مكانة داوود ويمكن النظر إليها على أنها أشبه ما تكون بالزواج.

نلاحظ هنا أنه رغم كون داوود متزوجاً، فهو يميّز بين علاقته بيوناتان والرباطات التي تجمعه بالنساء. لقد تزوج داوود بنساء عديدات، كانت إحداهن زوجة يوناتان المسماة ميخال، لكنّ الكتاب المقدّس لا يذكر أن داوود أحبّ ميخال( مع أنه يقال إن ميخال أحبّت داوود ).

أخيراً، لا بدّ أن نذكر أنّ المدراش، هو واحد من نصوص قديمة قليلة جداً تشير إلى زواج مثليّ. والتعاليم التالية ترد مرّتين في المدراش: " قال حاخام حونا باسم حاخام يوسف: لم يمح جيل الطوفان حتى كتبوا وثائق زواج لوحدة رجل مع ذكر أو حيوان".

بقلم: نبيل فياض 

Monday, November 1, 2010

الاجتهاد أمام المثلية الجنسية



كما هو الشأن في كلّ المجتمعات البشرية، لبعض المسلمين في مختلف المجتمعات الإسلامية اتّجاه جنسيّ مثليّ، بمعنى أنّ الرجل يجد متعته الجنسية مع الرجل (والمرأة مع المرأة). وقد توقّف الطبّ العقليّ عن اعتبار المثلية شذوذا أو اضطرابا منذ أواسط السبعينات من القرن العشرين، وأصبحت المواثيق الدولية تعترف بحقوق المثليّين الجنسية باسم الحريات الفردية وباسم حقوق الإنسان. وبالتالي يجد المسلمون أنفسهم اليوم مطالبين بتبنّي المنظورين العلميّ والحقوقيّ للمثلية الجنسية. اليوم، يتحتّم على المشرّع في العالمين العربيّ والإسلاميّ أن يجتهد قصد وضع قوانين غير مجرّمة للمثلية الجنسية. هدف هذه الورقة اقتراح بعض المعاني التي ينبغي أن يتبنّاها الاجتهاد في نظرنا، وهي معانٍ تساعده على التكيّف انطلاقا من أدلّة نقليّة وأخرى عقليّة.

1. الاجتهاد تأويل

تذهب بعض التفسيرات الحديثة إلى أنّ تدمير آل لوط لا يعني عقابا للمثلية، وإنما هو عقابٌ ضدّ مغتصبي ضيوف لوط. فالفرق شاسع بين اغتصاب المرسلين إلى لوط وبين علاقة مثلية بين راشدين راضيين، علاقة تتميّز بالرغبة والمتعة وفي حالات متكاثرة بالحبّ والاستقرار النفسيّ، وبالمساواة أساسا. بتعبير آخر، لا ينطبق المفهوم القرآنيّ للّوطية على المثليّة الجنسية الحداثية، فالفاحشة لا تكمن في الإتيان من الدّبر بقدر ما تنحصر في اغتصاب ملائكة مرسلين إلى لوط.

من جهة ثانية، يتحدّث القرآن عن الغلمان والولدان في ثلاث آيات هي: “يطوف عليهم غلمان كأنّهم لؤلؤ مكنون” ( الطور: 24 )، “ويطوف عليهم ولدان مخلدون” ( الإنسان: 19 )، “يطوف عليهم ولدان مخلدون” ( الواقعة: 17). أمام هذه الآيات، لا بدّ من طرح الأسئلة التالية: لماذا يتمّ ذكر الولدان ثلاث مرّات في القرآن؟ ثم ما سرّ وجود الغلمان في الجنّة؟ ما هي طبيعة الخدمات التي يقدّمونها؟ ما سرّ التأكيد على جمالهم الذي لا يفنى (لؤلؤ مكنون، مخلّدون)؟ ماذا يعني ربطهم بالجواري وحور العين في خدمة الرجل المؤمن؟ هل تقتصر الخدمة على المعنى الظاهر أم أنّ الجسد الخادم نفسه أداة في الخدمة، في إعطاء المتعة؟ هل ما هو محرّم في الدنيا حلال في الجنّة كما هو الشأن بالنسبة للخمر والاستمتاع بأكثر من أربع نساء؟ وبالتالي ما الذي يمنع من أن يدخل الغلمان في إطار ما تقدّمه النساء والجواري والحور من خدمات جنسية، من إمتاع المؤمن؟ يسير الطبري في هذا الاتّجاه حين يؤكّد أنّ الغلمان لا يفتئون عن تقديم شراب الخمر إلى الرجال المؤمنين الذين نالوا الجنة، مثلهم في ذلك مثل الجواري وحور العين. في هذا السياق التأويلي، يقول يحيى بن أكثم، وهو معروف باللواطة وحبّ الغلمان: “لقد أكرم الله أهل الجنّة بأن طاف عليهم الولدان، ففضّلهم في الخدمة على الجواري، فما الذي يخرجني عاجلا عن هذه الكرامة المخصوص بها أهل الزلفى لديه”؟

2. الاجتهاد توثيق

يتأسّس حكم قتل اللوطيّ في الفقه على الحديث القائل: “‏من وجدتموه يعمل عمل قوم ‏ ‏لوط ‏ ‏فاقتلوا الفاعل والمفعول به”. ‏لكنّ إسناد هذا الحديث ضعيف كما يتّضح من “تحفة” الأحوذي لشرح جامع الترمذي: “قال ‏‏وفي ‏الباب ‏‏عن‏ ‏جابر‏ ‏وأبي هريرة‏ ‏قال‏ ‏أبو عيسى:‏ ‏وإنما يعرف هذا الحديث عن ‏ابن عباس ‏عن النبيّ ‏ ‏صلى الله عليه وسلّم ‏‏من هذا الوجه. ‏وروى‏ ‏محمد بن إسحاق‏ ‏هذا الحديث‏ ‏عن‏ ‏عمرو بن أبي عمرو‏ ‏فقال: ‏ملعون من عمل عمل قوم ‏ ‏لوط‏ ‏ولم يذكر فيه القتل وذكر فيه ملعون من ‏‏أتى‏ ‏بهيمة.‏ ‏وقد روي هذا الحديث‏ ‏عن‏ ‏عاصم بن عمر ‏‏عن ‏سهيل بن أبي صالح ‏ ‏عن‏ ‏أبيه‏ ‏عن‏ ‏أبي هريرة ‏عن النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏قال: ‏اقتلوا الفاعل والمفعول به.‏ ‏قال‏ ‏أبو عيسى‏ ‏هذا حديث ‏ ‏في إسناده مقال‏ ‏ولا نعرف أحدًا‏ ‏رواه ‏عن ‏ ‏سهيل بن أبي صالح‏ ‏غير‏ ‏عاصم بن عمر العمري ‏‏وعاصم بن عمر‏ ‏يضعف في الحديث من قبل حفظه…” ويذهب ابن طلاع في أحكامه إلى أنّ الرسول لم يقم أبدا الحدّ على لوطيّ أو حاكم لوطيا.

3. الاجتهاد أولوية لخصوصية السبب

لماذا تمّ تحريم المثلية من طرف أغلبية المذاهب الفقهية السائدة، السنية والشيعية؟ ما السبب في اعتبار المثلية فاحشة كبيرة تستحقّ أشدّ العقوبات؟ لا بدّ من التذكير بأنّ أحد مقاصد الشريعة هو النسل التكاثريّ بفضل النكاح/الزواج. “تناكحوا تناسلوا فإنّي مُباهٍ بكم الأمم يوم القيامة” (الحديث). لذا لم يُبح الفقهاء للزوج أن ينكح الزوجة من الدّبر لأنّ تلك “اللوطية الصغرى” تجعل المنيّ يسيل مجانا ولا يعمل على تكثير سواد الأمة. صحيح أنّ الفقه أجاز المتعة من أجل المتعة حين أجاز العزل، لكنّ كل القرائن الفقهية تبيّن أنّ المتعة الجنسية ما هي في نهاية المطاف سوى أداة تسهل خدمة النسل والتكاثر. وواضح أنّ “تبذير” المنيّ في المتعة وحدها أوضح في العلاقة المثلية بين الرجلين (وفي “اللوطية الصغرى)، لأنّ القذف في غير موضع الحمل لا يخدم النموّ الديموغرافي للإمبراطورية الإسلامية الناشئة. وكما هو معروف، كان تكاثر النسل أحد أسس القوّة الاقتصادية والسياسية، الفردية والجماعية، العائلية والقبلية، في عهود كانت تتميّز بارتفاع نسبة الوفيات. من أجل هذا الاعتبار، كانت المثلية الجنسية مرفوضة، فهي عقيمة بذاتها وفي ذاتها، متعويّة و/أو غرامية بطبيعتها، عاجزة عن تكثير صفوف المسلمين.

لا شكّ أنّ عقم المثلية يشكّل أحد الأسباب الرئيسة في تحريمها ومعاقبتها، كما أنّ هاجس تجنّب الحمل غير المشروع كان الدافع الأساسيّ في تحريم الزّنا (لأنّه يؤدّي إلى خلط الأنساب والأموال). في كلا التحريمين هاجس اقتصاديّ محدّد في نهاية المطاف، هاجس مغلّف باعتبارات أخلاقية وسيكولوجية أبيسية تجعل من المثليّة الجنسية شذوذا ومن الرجولة إيلاجا وإيلاجا فقط. اليوم، تغيّرت الأمور ولم تعد القوّة تتأسّس على الكثرة، أي على منطق قبليّ قام عليه الإسلام ومدّده واحتفظ به لقرون طويلة. حان الأوان لتجاوز ذلك المنطق الذي يجعل من الجنسانية أداة في خدمة إنجاب تكاثريّ. بتعبير آخر، لم يبق الهاجس التكاثريّ مهيكلا لإسلام اليوم، وبالتالي لم يبق السبب الرئيس في تحريم المثلية الجنسية سببا قائما.

خلاصة اليوم أنّه لا بدّ اليوم من تفعيل مبدأ “خصوصية السبب”، بمعنى أنّ اندثار السبب يؤدّي منطقيا إلى تهافت الحكم. والمقصود هنا أنّ فكّ الارتباط بين القوة والكثرة من جهة وبين الجنسانية والإنجاب من جهة أخرى يؤدّي إلى تطبيع المثلية الجنسية واعتبارها اتجاها جنسيا سويّا ومشروعا.


4. الاجتهاد تفقيه مضادّ

خلافا لإرادة تحويل الإسلام إلى قانون ينظّم حياة الأمّة، وهي إرادة فقه الخليفة، يسير التصوّف الإسلامي في اتجاه معاكس تماما، في اتجاه يجعل من الإسلام طريق وصال يسلكه المؤمن لبلوغ الحقيقة. في إطار التصوّف، لا يبقى التقيّد بالمعنى الحرفيّ للنصوص واجبا لأنّ الحقيقة فوق الشريعة. يسمح هذا الموقف للمتصوّفة وللطرق وللزوايا بتبنّي قيم وسلوكيات تناقض ظاهر النصوص المرجعية الذي يدين المثلية الجنسية. “إنّ التكليف خاصّ بالعوامّ ساقط عن الخواصّ” في نظر الصوفية، وهي قاعدة تبيح التمتّع بالنظر إلى “وجوه المرد” الحسنة في حلقات الذكر. فعشق تلك الوجوه تعبير عن عشق الذات الإلهية ومحاولة التقرّب إليها. وفي الطرق، كان الراشدون يعانقون المريدين الشباب من الخلف ومن الأمام حسب مسعود القناوي في كتابه “فتح الرحمان”. إنّها “متعة الفقراء” (إلى الله). وتحكي بعض سير الأولياء أنّهم كانوا مثليين في حياتهم فأعطوا شرعية للسلوكيات والهويات المثلية من داخل الإسلام (الصوفيّ) وتحوّلوا إلى قدوة (جنسمثليّة) لأتباعهم.

هذا ما يحكى مثلا عن عليّ بن حمدوش، الولي الصالح المدفون في نواحي مدينة مكناس بالمغرب. وحسب الرواية الشفوية، كان علي بن حمدوش يلبس زيّ النساء ويعبّر عن أنوثته بفضل ذلك. ويبدو أنه لم يتزوّج قطّ ولم يترك ذرية. اليوم، أصبح ضريحه مزارا يقصده المثليّون المغاربة. أكيد أنّ هذه الرواية تلتقي بشكل ما مع ما قاله أبو يزيد البسطامي بصدد المتصوّفة: “أولياء الله عرائس الله تعالى”. وهو ما تمّ تأويله على أنّ المتصوفة هم/هن نساء الله. وتقرّ رواية شفوية أخرى أنّ الوليّة عائشة السودانية المدفونة غير بعيد عن ضريح علي بن حمدوش تحوّلت إلى رجل للدفاع عن نفسها عندما حاول بعض الرجال اغتصابها. ثمّ رفضت بعد ذلك كلّ تعامل جنسيّ مع الرجال. وهو ما دفع المخيال الشعبيّ إلى اعتبار عائشة السودانية سحاقية ونموذجا مرجعيا يسدل الشرعية على السحاقية من داخل الإسلام الصوفيّ الشعبيّ.

لا يهمّ أن تكون لهذه الروايات واقعية تاريخية، الأهمّ هو حاجة الطبقات الشعبية الفقيرة إلى أسلمة المثلية الجنسية واستدماجها في [وبـ]المقدّس، ضدّا على التحريم الفقهيّ السائد. وبشكل أعمّ، تزخر كتب مثل كتاب “الطبقات” للشعراني وكتاب “كرامات الأولياء” للنبهاني بقصص كثيرة تجعل من السلوكيات المثلية لدى الصوفية كرامات متكرّرة خصّ بها الله أولياءه.

خلاصة الموقف الصوفي الروحاني أن الجنسمثليّ خليقة الله. هل يمكن لأحد أن يرفض هذه الحقيقة الصوفية، البسيطة والدامغة؟ هل يخطئ الله في خلق المثليّ مثليّا؟ هل من حقّ الإنسان أن يقتل خليقة الله؟ أليس الإسلام قبولا ومحبّة لكلّ خلائق الله، كيفما كان اتّجاهها الجنسيّ؟ إنّ الطرح الصوفيّ يرفض التطرّف الجنسي الأبيسي ويرفض كلّ عنف مادّيّ أو رمزيّ ضدّ الممارسات والهويات الجنسمثليّة وما بين الجنسيّة. فالأقلّيات الجنسيّة لها أيضا الحقّ في الوجود، بل في الوجود العموميّ. يكمن الرهان إذن في تحويل التعدّد الجنسي (الذي هو واقع قائم يعبّر عن إرادة إلهية) إلى وضع مشروع، وفي ترجمته إلى مواطنة جنسية: حقّ كلّ مسلم بالتمتع بكلّ الحقوق (الجنسية) مهما كان اتّجاهه الجنسيّ.


5. الاجتهاد تحيين

المقصود بالتحيين الإنصات إلى التطوّر الاجتماعيّ وأخذه بعين الاعتبار. فقد أثبتت الدراسات السوسيولوجية العربية القليلة في الموضوع أنّ بعض الجنسمثليين الإستيين أصبحوا يتقبّلون أنفسهم ويتبنّون ممارساتهم وهويّتهم. لم يبقَ معاشهم الداخليّ سلبيا بحيث أنّ الشعور بالنقص وبالعار اندثر تدريجيًا. وتؤشّر نفس الدراسات إلى تشكّل أزواج جنسمثلية (couples) قارّة على أساس التفاهم والحبّ والمساواة. ويستشير البعض من أولئك الأزواج أخصّائيين نفسانيين من أجل تحسين جودة علاقتهم المثليّة. من جانب آخر، يحصل اليوم تطوّر في الإدراك الاجتماعيّ للمثلية الجنسية. فـ 44 في المائة من المغاربة مثلا يرون أنّ “كلّ كائن بشريّ مزيج من الأنوثة والذكورة”. ويقرّ 25 في المائة أنّ المثلية الجنسيّة الإستيّة لا تفقد الرجل رجولته. إنّها مؤشّرات تدلّ على ميلاد ونشأة تعريف غير أبيسي للرجولة في العالم الإسلاميّ.

6. الاجتهاد، علمنة للمعاملات

بالإمكان أن تقوم شرعية المثليّة من داخل الإسلام على الفصل بين العقيدة والمعاملات. إنّ عدم تجريم المثلية الجنسية لا يمسّ العقيدة ولا الإيمان ولا هويّة الدولة الإسلامية. فالإسلام يكمن في صحّة العقيدة وفي قوّة الإيمان وليس في تطبيق تشريع مضطرّ للتغيّر والتجدّد والتكيّف حسب الأمكنة والأزمنة، وحسب المصالح وميزان القوى بين الشرائح الاجتماعية. أيضا، لا يمكن قياس درجة إسلام دولة ما بدرجة حرفيتها، أي وقوفها عند المعنى الظاهر للنصوص المقدّسة. صحيح أنّ الحرفية موقف لا يخلو من مشروعية، لكنّ المشروعية لا تكمن فقط في الحرفية وفي تطبيق مقتضيات المعنى الظاهر للنصّ. من خير الأدلّة على ذلك، مثال الاسترقاق الجنسيّ. إنّ منعه وتجريمه اليوم يناقض ما جاء به النص المقدّس صراحة، وهو تحريم لما أحلّه الله. فهل المطلوب اليوم من الدول الإسلامية المعاصرة أن تعود إلى حلّية الاسترقاق الجنسيّ، وإلى حلّية الاسترقاق بشكل عامّ؟ أم هل ينبغي أن ننظر إلى تجريم الاسترقاق من طرف الدول الإسلامية المعاصرة، بفضل تطبيق المواثيق الدولية، ارتقاءً بالإسلام وتطهيرا له من كلّ موقف تمييزيّ على أساس اللون والسبي والقوة؟ ألا ينبغي أن نستمرّ في هذا المسلك العقلانيّ وأن نطهّر الإسلام من كلّ موقف تمييزيّ على أساس الاتجاه الجنسيّ أيضا؟ إنّ تجريم الاسترقاق الجنسيّ لا يقلّل من شأن الإسلام بل يخدمه رغم مناقضته لنصوص صريحة وقطعية، وهو الأمر الذي ينطبق أيضا على المثلية الجنسية إذ أنّ شرعنتها تخدم بدورها الإسلام وتعزّز شموليته. في كلتا الحالتين مناهضة لشكلين من التمييز الاجتماعيّ، هما العبودية وكره المثْل (homophobie).

بديهي أنّ شرعنة المثلية من طرف الإسلام ستحبّب الإسلام إلى المثليّين وإلى كلّ المدافعين عن حقوق الإنسان وعن الحرّيات الفردية. فمن المشروع أن نتساءل: كيف يمكن للجنسمثليّ أن يتقبّل وأن يحب إسلاما يقول برجمه وبجلده وبحبسه وبتغريمه؟ إنّ علمنة القانون الخاصّ بالمثلية الجنسية (في اتجاه شرعنتها) تحرير للإسلام من موقف غير عقلانيّ وغير مساواتي. وهذا إجراء لا يمسّ بتاتا العقيدة ولا الإيمان. رغم كلّ ما تقدّم من اعتبارات، لا تعني شرعنة المثلية باسم قانون وضعي منع بعض المسلمين من الاستمرار في تحريم المثلية الجنسية على أنفسهم (إن شاؤوا). فذلك أمر يهمّهم كأفراد في حياتهم الخاصّة. لكن ليس من حقهم تحويل رؤياهم هاته إلى قانون يسري قسرا على الجميع.


خاتمة

إن الرؤيا القدحية والتجريمية للمثليّة الجنسية تعبّر عند مسلم اليوم عن فقدان التحكّم في صنع التاريخ. أمام ضعف المسلم أمام قوّة الحداثة وما بعد الحداثة، ونظرا لعدم استفادة المسلم من الحداثة، لا يملك مسلم اليوم سوى الرجوع إلى عصر يعتقد أنّه ذهبيّ، إلى عصر يجعل من الرجولة والجنسغيريّة الوضع “الطبيعيّ” النموذجيّ المرجعيّ. إنّه في حاجة إلى أمن جنسيّ يحدّ من قلق أزمة الذات. وطبعا، يجد ذلك الأمن في إسلام “طاهر” وصلب، في إسلام مخلص من كلّ الشوائب الثقافية، مبسّط ومفقر، فوق كلّ تاريخ وفوق كلّ مجتمع، في إسلام أسطوريّ ينقذه من سؤال الهوية، ومن سؤال الهوية الجنسية الرجولية بالذات.

لا بدّ من تذكير مسلم اليوم بالتسامح الذي أبان عنه محمّد (ص) تجاه المثليين الجنسيين، وأبانت عنه أيضا الحضارة الإسلامية في تمظهراتها المزدهرة (الأموية، العباسية، الأندلسية، العثمانية…). من ثمّة يبدو أنّ التشدّد ضدّ المثليّة الجنسيّة مرتبط بعصور الانحطاط والتخلّف خصوصا، أي العصور التي تقف عند التأويلات الضيّقة والمعسرة للنصوص المرجعية.

آن الأوان للتوقّف عن اعتبار آراء الظاهرة والرافضة من المثلية الجنسية بدعة وضلالة، آن الأوان لإعطاء مصير سياسيّ لهذه الآراء التي تبرّئ الجنسمثلي والتي لا تقول بحدّه أو بتعزيره. لماذا لا نجعل من تلك الآراء مصدرا لقوانين إسلامية حداثية تقبل المثليّة (من داخل الإسلام) وتلتقي في الوقت ذاته مع المواثيق والمعاهدات الدولية؟ لماذا لا تدرّس هذه الآراء للتلاميذ والطلبة؟ لماذا لا يتمّ نشرها عبر وسائل الإعلام الإسلامية والدولية؟ لماذا لا يتمّ تبليغها إلى المربّين وإلى الأئمّة وإلى كلّ من له تأثير على الرأي العامّ؟ لماذا لا يتمّ إدماجها في تربية جنسية تقوم على رفض كلّ أشكال التمييز؟

|عبد الصمد الديالمي|

Saturday, October 30, 2010

عن المثلية والديمقراطية والتطرف الديني



ثمّة سجال في دمشق حول حقوق المثليّين الاجتماعيّة. إنّ مجرّد طرح هذا الموضوع على طاولة البحث هو أمر إيجابي، ولكنّ مسار النقاش يبيّن أنّ المثقّف السوري، مثله مثل كثير من المثقفين العرب، ما زال بعيدا عن قبول المثليين كأفراد مساوين له في الحقوق والواجبات.
بدأ السجال بحملة قام بها مجموعة من المثليين السوريين الذين قرّروا أنّه قد آن الأوان لكي يخرجوا من العتمة إلى النور، فابتدعوا حملة عبر الإنترنت يدعون فيها إلى التسامح في مجتمع محافظ يعتبرهم مرضى أو منحرفين. وأطلق منظمو الحملة بيانا غير مسبوق، عبروا فيه عن رغبتهم في العيش مع باقي فئات السوريين بحرية وكرامة ومسؤولية. وقالوا في بيانهم "أنا مثلي ويحقّ لي أن أعبّر عن رأيي… أنا فرد من هذا المجتمع الذي عليه أن يبادلني الاحترام…"
وطالب البيان بإلغاء مادة من القانون الجزائي التي "تعاقب على ميول جنسية لم يختاروها". ويجرم القانون السوري المثلية، دون أن يشير إليها بالاسم، ويعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى عام من ارتكبها. ورفضت سورية التوقيع في عام 2008 على بيان للجمعية العامة للأمم المتحدة يتعلق برفع العقوبة عن المثلية.
وقد نقل صحفي سوري (أبيّ حسن) السجال من حيز النداء إلى حيز الإدانة، عندما نشر في موقع إلكتروني سوري واسع الانتشار مقالة تحت عنوان "معذرة: ليس مثلك مثلي…عن الشذوذ الجنسي في سوريا،" شنّ فيها حملة شعواء ضد المثليين السوريين، الذين "مابرحوا يطالبون بحق الاعتراف بهم مجتمعياً وقيميّاً، كي يصبحوا مقبولين في الوسط الاجتماعي من دون أن تطاولهم أي نظرة دونية من قبل الغيريين جنسيّاً والرافضين للمثلية."
ويبدو من عنوان المقالة وسياقها أن الكاتب يأخذ موقفا متحيزا ضد المثليين، وإن كان يتنازل أحيانا فيمنحهم بعض حقوقهم من علٍ. ومن هنا نسمعه يقول: " إذا كنّا نقدّر ظروفكم ونتفهم حالتكم المرضيّة ووضعكم غير السوي (وهذا ليس شتيمة، معاذ الله. إنّما تشخيص لواقع الحال) لكن هذا لا يعني أننا صرنا سواسية ولن نكون كذلك أبدا."
ثم نراه يسارع إلى الفكرة المحببة عند غلاة القوميين العرب والإسلاميين في العالم العربي، فينسب حقوق المثليين إلى الغرب، وهو بحد ذاته تهمة مرفوضة من قبل العديد، ثم يضيف: "لا يكفي أن يتعاطف المتثاقفون مع قضية المثليين لكي نبصم لهم وللمثليين بالعشرة! وليس بالضرورة أن نؤلّه كل ما يأتي به الغرب حتى نبدو في نظركم ونظر الغرب حضاريين، بمعنى إذا كانت "المصونة" كارلا بروني مثلية جنسياً على سبيل الافتراض، فهذا شأنها وندافع لها عن حقها في ذلك الشأن كتفهّمنا لحالتكم المرضيّة ولاسويّتكم، لكن ليس مطلوباً منا الاقتداء بها – ببروني- وبمثيلاتها ولا الاقتداء بكم أيضاً."
سنرى هنا لأنّ السيد حسن لا يوفر أحدا من هجومه، فهو يصدر حكم قيمة على المثليين، ويصادر حقوقهم، ثم يتهم مناصريهم بأنهم "متثاقفون" وساعون إلى استرضاء الغرب، بينما يقف هو ومعه جبهة كبيرة من "الأسوياء" في جهة مواجهة الغرب. كما أنه يتهم زوجة رئيس جمهورية بلد كبير كفرنسا بأنها مثلية، ثم يتنازل لتفهم حالتها، كما "يتفهم الحالة غير السوية للمثليين العرب والسوريين، ثم يرفض الاقتداء بهم وبها. لا أدري إن كانت كارلا بروني مثلية أو لا، ولا يهمني ذلك في شيء، ولكنني أتـذكر أنه كانت واحدة من أشد المناصرين للحملة من أجل الإفراج عن سكينة، السيدة الإيرانية التي تتعرض لخطر الرجم بسبب اتهامها بالزنى، ويحق لي أن أتساءل لماذا اختارها الكاتب من بين كل نساء العالمين، كمثال.
ثم ينتقل الكاتب إلى مساحة أخرى حيث يخلط الأمور بعضها ببعض ليُظهر فداحة المثلية. ومن أجل ذلك سنراه يوغل في رسم صور "مقززة" عن المثلية الجنسية، بلغة فيها ما لا يليق من التصوير الحسي المرفوض ضمن بعض الثقافات، ومنها الثقافة العربية المعلنة على الأقل، مطلقا على هذه الممارسات صفات من مثل "مخالفة الطبيعة والفطرة،" وأيضا "ما يتنافى مع الحشمة." وهو بذلك يستخدم قاموسا مقبولا من قبل غالبية القراء، ويستطيع بذلك أن يأخذ قراءه بعيدا عن جوهر القضية، التي هي الحقوق الفردية والمجتمعية لكل أفراد المجتمع بما في ذلك الغيريّون والمثليّون. ونراه يثير ذكورة الذكور بصور من مثل صورة أشخاص يقول إنه يعرفهم وهم "لا يريدون مالاً، بل تحقيق المتعة البصرية والوصول إلى النشوة، فقط، وهم يشاهدون زوجاتهم في أحضان رجال آخرين." ثم يلقي علينا سؤاله الخطير: ماذا لو خرج علينا "أمثال هؤلاء في الغد مطالبين المجتمع الاحترام والاعتراف بـ"حقوقهم،" ترى هل بمقدور نظامنا الاجتماعي والأخلاقي تقبّل هكذا حق؟" ويزيد على ذلك مقاطع حسّية يصوّر فيها حالات فيتشية صريحة، ويتساءل "كيف للمجتمع السوي أن يتقبّل - برحابة صدر وبساطة- من يريد أن يرى والده وأخوته عبيداً لحذاء زيد من الناس أو عمرو، وليس بمقدوره أن يقضي وطره إلا إذا أذُلّ وأهين وشُتم مع عائلته؟"
وما إن يصل إلى هذه النقطة حتى يسارع لتقرير أن "الشارع هو للأسوياء من الناس فقط، وذلك بحكم الفطرة والطبيعة، أما عدا ذلك فمكانهم الطبيعي ليس في الشارع على ما أؤمن"، وهو يرى أنّ الحلّ الذي يحترم "مشاعر الأسوياء والشاذّين" هو أن يتمّ "التعامل مع الشواذ جنسياً باعتبارهم كائنات مريضة ومرض بعضهم قد يُعدي، ونقترح في هذا المقام أن تعامل تلك الكائنات طُبياً كما المصابون بالجذام(مثلاً) بحيث توفر لهم الدولة منطقة سكنية خاصة بهم؛ والتعامل مع بعضها الآخر – إضافة إلى المرض- بوصفها كائنات تشكل خطراً على المجتمع لا يقلُّ عن خطر بعض المتطرفين الإسلاميين."
سنرى هنا أن الكاتب لا يمتنع عن اقتراح حلول عنصرية، عزلية، تنتمي أكثر إلى محاكم التفتيش، مستبدلا الحرق بالعزل، وهو مفهوم يكاد يلامس العنصرية الصرف. ولكنّه، إلى ذلك، يستعدي كلا المجتمع والسلطة على حد سواء، عندما يوازي بين المثليين والمتطرفين الإسلاميين. وفي الحقيقة، لا أدري كيف يمكن لأي كان أن يجد ربطا بين الاثنين، سوى الرغبة في استعداء السلطة على كائنات مسالمة عبر ربطها بالتطرف.
في مقابل مقالة أبيّ حسن "الكفاحية" نشر مثقفون سوريون جملة من المقالات دافعوا فيها عن حقوق المثليين السوريين باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق.
وجاء الدفاع الأبرز من الكاتب السوري سحبان السواح، الذي لخص موقفه بأنّ "لكلّ فرد في العالم حقّ ممارسة حرّيته دون أن يسأله أحد عما يفعله، طالما أنّه يحترم القوانين السائدة، ولا يقدّم على إيذاء أحد في ممارسته تلك."
ورأى السوّاح أنّ "المثليّين أفضل من كثيرين منّا في أخلاقهم العامّة، وفي تعاملهم مع النساء، وسلوكهم في المجتمع؛ ويندر جداً أن ترى منهم خارجاً عن القانون."
السجال بحدّ ذاته دليل عافية، رغم سقم بعض الآراء. ودليلُ عافيةٍ أيضا رؤيةُ أنّ المثليين العرب بدؤوا يدركون وجودهم، ويستعدون للمواجهة من أجل حقوقهم. وثمّة عدد كبير من الكتّاب والصحفيّين والمدوّنين والكتاب في المواقع الإلكترونية الذين باتوا يولون هذا الشأن اهتماما أكبر. ولا بأس في أن تختلف الآراء، ولكن البأس - كلّ البأس - في أن يأخذ البعض مواقف إقصائيّة لا تتّفق وقيمَ الديمقراطية التي يتغنّى بها صباح مساء، والبأس أيضا في أن نرفع قياساتنا إلى مستوى القياس العام، فما هو فوقها إسراف وما هو دونها تقتير. وليس في ذلك عدل.
عن موقع الأوان

Friday, October 15, 2010

المثلية الجنسية (3) ... التكملة



سارتر والمثليون: سوء تفاهم

يتعرّض سارتر، هو الآخر، إلى انتقادات لاذعة أحياناً، من طرف بعض الحركات الجنسمثلية، والتي وإن كانت تسجل لصالحه بعض الاختراق الإيجابي للموضوع، في كتابه الشهير، "الوجود والعدم"، إلا أنها لم تشفع له الصورة السلبية للمثليين في العديد من أعمالة الروائية والمسرحية، حيث يصبح الجنسمثلي لوسيان فلورييه، في قصة "طفولة زعيم"، من بين أعضاء اليمين المتطرف قبل أن يتحوّل إلى متعاون مع الاحتلال النازي.
وفي مسرحية "الجلسة المغلقة"، تجد امرأة جنسمثلية نفسها في جهنم داخل غرفة مغلقة، وفي رفقتها الأبدية رجل وامرأة جنسغيريان، عقوبتهما أنهما سيعجزان عن ممارسة الجنس أمام أنظار ممتعضة لامرأة لا تشاركهما نفس الميل، وعقوبة هذا الأخيرة أن ترى ما لم تكن تحبّ، وهنا سيطلق الرّجل عبارته الشهيرة: جهنم هي الآخر.
وراء ما يبدو وكأنها صور سلبية للمثليّ وللمثلية، فإنّ المعادلة الصعبة التي جابهها سارتر، تتعلق بالسؤال التالي: كيف نجعل الشخص المثلي يتحرّر من الشعور بالذنب، والذي قد يسوقه أحياناً، إلى اختيارات سياسية عنيفة ومتطرفة، ولو من باب التكفير على ما يراه المجتمع ذنباً، وذلك من غير أن نسلمه للحتمية البيولوجية؟ بمعنى كيف نجعل الجنسمثلي حرّاً ومسؤولاً عن اختياراته من غير أن يشعر بالذنب؟
وإن كانت الحتمية البيولوجية، شأنها شأن الجبرية الدينية، قد حرّرت الإنسان من الشعور بالذنب، إلا أنها في المقابل قد نزعت عنه حريته، أما وأنّ الإنسان محكوم عليه بالحرية، وأننا في كل لحظة نختار، كما يقول سارتر، فلا بدّ أن يجد هذا الأخير طريقة لتحرير المثليين من الشعور بالذنب من غير التفريط في قضية أنهم أحرار في اختياراتهم.
لقد أماط سارتر اللثام عن أمر بالغ الأهمية، ويجب على الحركات الجنسمثلية أن تأخذه بعين الاعتبار، وهو أن أسوأ ما قد يعانيه المثلي، فيسوقه إلى اختيارات سياسية متطرفة، كما فعل لوسيان في قصة "طفولة زعيم"، هو عقدة الشعور بالذنب، لذلك فمن مصلحة المجتمع أن يساعد المثليين على التحرّر من تجربة الشعور بالذنب، وذلك عبر اعتراف الجميع بأن الميول الجنسية للأفراد حقّ أساسي من حقوق الإنسان، ويبقى السؤال، ألا ينطبق هذا التحذير على الكثير من المتطرفين الدينيين أو الجهاديين، والذين يخفون خلف رداء الدفاع الشرس عن الشرف ميلاً لاشعورياً يشعرون معه دائماً بعقدة ذنب كامنة؟
وبالعودة إلى فرويد، ألا يكون المرض الفعلي، هو التعامل مع "المرض" وفق الشعور بالذنب بدل التعامل معه كشحنة للإبداع، للإندفاع، وللحياة غير المبتذلة؟
إن سارتر الذي لا يؤمن بوجود طبيعة بشرية ثابتة، وينفي إمكانية اختزال الإنسان في أي جزء أو جانب هوياتي، يضعنا أمام سؤال هام؛ هل بوسعنا أن نعترف بحقوق المثليين بناء على حق الإنسان في الاختيار، ومن غير أن نجعل هذا الإنسان يقع في تجربة الشعور بالذنب؟ أم أننا لا نستطيع أن نعترف بتلك الحقوق إذا لم نفترض وجود حتمية بيولوجية تحدد لنا مسبقاً ميولنا الجنسية؟ ألسنا هنا نمنح الحرية للإنسان بناء على أنه لا يستطيع أن يكون حرّاً؟ ألسنا هنا نستعيد الموقف الصوفي القديم والذي يدعو إلى التسامح مع اختيارات الناس بناء على أنهم لا يختارون إلا ما قدره الله عليهم؟
إن أهم ما انتبه إليه جان بول سارتر، لاسيما في روايته طفولة زعيم، هو أن شعور المثلي بالذنب، والذي هو محصلة تجريم العلاقات المثلية، قد يقود الأشخاص المثليين، إلى نوع من إسقاط الذنب على الذات، ومن ثمة النزوع إلى اختيارات سياسية تكفيرية ومتطرفة لمقاومة ميولاتهم المثلية، والواقع أننا نستطيع أن نستنتج بأن الاعترف بوجود ميول جنسمثلية متفاوتة التجلي والظهور لدى الغالبية العظمى، يعد طريقاً أساسياً لبناء مجتمع الوضوح والشفافية، فيه يتحقق مبدأ اعتراف الجميع بالجميع، والذي هو غاية التاريخ ومرمى العقلانية، وفق الأطروحة المركزية لهيجل.

نحو منظور كانطي للشهوة
يقول كانط بأن الإنسان غاية في ذاته، بمعنى أن الإنسان ليس وسيلة لأية غاية أخرى، وأن كل فرد هو غاية ذاته، وتبعاً لذلك، لا يحق لأي شخص أن يحط من قيمة الكرامة الإنسانية، سواء في ذاته، أو في ذات غيره، لايحق له أن يجعل من نفسه خادماً ومطيعاً لغايات أخرى.
لنضع أمام نصب أعيننا هذا المبدأ الكانطي الهام، ولنتساءل حول الموقف الذي يعادي ويجرم المثلية، معتبراً أن ما يبرر الشهوة الجنسية ويمنحها المشروعية، هو غايتها والمتعلقة بالتكاثر والتناسل، ويستنتج تبعاً لذلك، بأنه إذا كانت مشروعية الجنس الغيري مستمدة من تحقيق غاية الإنجاب، فإن الشهوة الجنسمثلية لا تبررها أية غاية، ولذلك فإنها تفقد مشروعيتها، وتستحق الإدانة والتنديد.
على ضوء المبدأ الكانطي إياه، ما عسانا نستنتج من هذا الاعتراض المناهض للحقوق الجنسية للمثليين؟
نستنتج من ذلك الاعتراض بأن الإنسان مجرّد أداة للإنجاب، وأن الشهوة الجنسية ليست غاية في ذاتها، ليست شيئاً مبرراً في ذاته، بل إنها تكاد تكون شيئاً غير مبرر بإطلاق، مجرّد فخ وضعته الطبيعة لغاية النسل، مجرّد طريق غبية نحو هدف أكثر ذكاء، وسيلة لا قيمة لها في ذاتها لو لم تبررها غاية سامية، وما هي هذه الغاية السامية؟ بعد الشهوة يجب أن ينتهي القذف إلى الرّحم مباشرة.
هكذا نفهم كيف أن إدانة الشهوة المثلية هي جزء من إدانة الشهوة الجنسية بأكملها، واعتبارها عملية مهينة لا تشفع لها سوى غايتها، والتي هي الإنجاب.
من هنا تمثل الشهوة المثلية انقلاباً في قيمة الشهوة الجنسية، انقلاب يتعلم منه الغيريون والمزدوجون بدورهم، كيف يتحرّرون من تصور الشهوة باعتبارها مجرّد وسيلة، والنظر إليها كغاية في ذاتها، وربّما هي أم الغايات كما سبق أن أقرّ الأبيقوريون قبل مئات السنين.

ماهو الزّواج المثلي؟
منذ بداياتها الأولى في سنوات الثمانين، واجهت الحركات المثلية تحدياً مفاجئاً، فقد تزامن ظهورها مع البدايات الأولى لظهور مرض الإيدز، ولم يكد ينفرط عقد الثمانين، حتى كان قد توفي عدد ملحوظ من المناضلين والفنانين والمفكرين المثليين، جراء المرض الجديد.
راهن الكثير من المحافظين على أن الإيدز هديتهم من السماء، وأنها الصخرة التي ستتحطم عليها موجة الحركة الجنسمثلية في مهدها، بل وستنكسر عليها كافة أشكال ومظاهر الحريات الجنسية، وهو الانتظار الذي لم يتحقق.
فبخلاف ذلك التوقع، تحوّلت المجموعات الجنسمثلية، من مجموعات مغلقة، متخفية وتعاني من الهشاشة والارتباك أمام انتشار المرض، إلى مجموعات علنية، شفافة ونشيطة في مقاومة مرضّ الإيدز، ومعه كافة الأمراض المنقولة جنسياً، وقد ساهمت تلك المجموعات، بنحو حاسم، في انحسار المرض، ولعلّ المرض دخل فعلاً، طور الانحسار داخل المجتمعات الأكثر شفافية وتسامحاً. على أنه ومن أجل كسب المعركة ضدّ المرض، تبنّت الحركات الجنسمثلية، داخل المجتمعات المتقدمة ثم خارجها، قضيتين أساسيتين: العازل الطبي والزّواج المثلي.
فقد كان التحدي المطروح أمام الجنسمثليين يتعلق بالسّؤال التالي:
كيف نحارب الإيدز، ومعه كافة الأمراض المنقولة جنسياً، من غير القضاء على الحرية الجنسية ومن دون المساس بكرامة الجنسمثليين؟
الذي يحمي الحرية حسب سارتر، هو المسؤولية والإلتزام.
حين ننقل هذا المبدأ السارتري إلى مجال الحريات الجنسية، ماذا نستنتج؟
نستنتج بأن الزّواج المثلي الذي اقترحته الحركات الجنسمثلية ضمن مطالبها، في مواجهة انتشار الإيدز، يمثل أيضاً، تكثيفاً لقيمة الحرية الجنسية من حيث هي مسؤولية متبادلة، التزاما واضحا، اعترافا متكافئا، وقبل ذلك، تعاقدا حرّا بين إرادتين حرّتين؛ إرادتان اثنتان فقط.
وإذا كنا قد أعلنّا منذ البداية، بأنّ دعم حقوق المثليين والمثليات، لا يشترط بالضرورة، الانحياز لأيّة فرضية من الفرضيات العلمية حول مصدر ومنشأ ميولنا الجنسية، فلأننا نعلم علم الحسّ السليم، بأنّ الوطن للجميع والفراش لاثنين فقط.

Monday, October 11, 2010

المثلية الجنسية (3)


قبل البدء: في البدء نكون مثليين
كثيرة هي الفرضيات العلمية حول مصدر ميولنا الجنسية ومنشئها، يتعذّر علينا الانحياز لإحداها، وهو في كلّ أحواله، انحياز لن يفيدنا كثيراً في دعم حقوق المثليين، خلافاً لما جرى الاعتقاد به، وهذا ما سنعرج عليه لاحقاً، على أنّ إحدى تلك الفرضيات، يهمّنا أن نستعرضها الآن، ليس انحيازاً إليها، وإنما لأجل عدم تركها وإهمالها.
أقصد بالفرضية العلمية تلك التي ينادي بها الكثير من الباحثين، وتؤكّد أننا جميعنا نولد مثليي الجنس، أو أننا، على وجه التحديد، نخرج من أرحام أمهاتنا بميول جنسية مزدوجة، ويستغرق منا الأمر حيناً من الدّهر قبل أن يصبح غالبيتنا غيريي الجنس؛ هذه الفرضية، سواء لأننا نلاحظها بالحسّ والحواسّ، أو لمجرّد أنها فرضية علمية، فإنّها تمنحنا الحقّ في أن نستنتج بأنّ الممارسات الجنسية المثلية حقّ طبيعي من حقوق الإنسان، وأنها لكذلك في كلّ أحوالها؛ سواء اعتبرناها ثمرة الفطرة أو الرّغبة أو الإرادة، وفي هذا التقدير خلاف سنعرض لبعض جوانبه بعد حين.
ماذا بوسعنا أن نستنتج الآن؟
هل يمكننا أن نستنتج بأن المثليين والمزدوجين هم أشخاص طبيعيون، بل هم أكثر طبيعية منّ الغيريين المنزاحين عن فطرتهم الأولى؟
معظم الثقافات التقليدية تستحضر هذه الخلاصة، وتتفهم تلك القابلية للمتعة المثلية وللمتعة المزدوجة، ولا تختلف سوى في أساليب ووسائل تلبيتهما وحدود الهامش المتاح لهما، وحتى بعض الديانات التي يبدو وكأنها جرّمت الأفعال المثلية، فإنما جعلتها في عداد شهوات الجنّة ومتع الآخرة، وفي كلّ الأحوال ثمّة تواضع إنسانيّ على الاعتراف بوجود شهوة مثليّة، متجلّية أو كامنة، لدى الكثيرين ولو بدرجات متفاوتة في التجلّي والكمون.

هل بوسعنا أن نختبر فرضيتنا الآن؟
إذا كانت صحة أيّة فرضية تتأتّى من قدرتها على تفسير ظواهر جديدة، فلعلّنا نلتمس في فرضيتنا، تفسيراً لظاهرة رهاب المثلية، باعتبارها نوعاً من الخوف الباطنيّ من شيء نحمل أثره في ذواتنا على الدّوام.
وترانا الآن واقفين على عتبة سؤال جديد: إذا كنا لا نولد بالضرورة غيريين، فكيف نصبح كذلك؟
هل بالتعلم والتمرّن حدّ المقاومة والعناد؟ هل هو الضغط الثقافي لأمّهاتنا تحت تأثير عقدة الخصاء لديهن؟ هل هو الميل الطبيعي لأعضائنا التناسلية صوب علّتها الغائية؛ حيث علّة وجود القضيب، أن يمتع المرأة، وعلّة إمتاعها الإخصاب، وعلّة إخصابها التناسل…؟
موضوع العلّة الغائية يضعنا أمام أوّل تحدّي، وهو أرسطو.

أرسطو والمثليون: استنباط متسرّع
العلّة الغائية هي ما يبرّر وجود الشيء حسب منطق أرسطو، ومن ثمّة قد نستنتج ولو باستدلال متسرّع، بأنّ الشهوة موجودة من أجل غاية أخرى تتجاوزها، لهذا السبب انهال الكثير من المناضلين المثليين بالنقد على أرسطو، إلاّ أنهم فعلوا ذلك لسبب آخر أيضاً.
لا شك أنّ أرسطو لم يكن معادياً للممارسات المثلية، لكنّ الكثير من المناضلين المثليين يعتقدون بأن منطق أرسطو ثنائيّ القيم، قد كرّس في الوعي البشري تلك النّظرة الثنائية إلى الجنس، والموصولة بمبدأ الثالث المرفوع: إنّك إمّا أن تكون ذكراً أو تكون أنثى، ولا يمكنك أن تكون كليهما في نفس الآن، ولا يمكنك أن تكون لا هذا ولا ذاك في نفس الآن.
أرسطو لم يقل ذلك القول بصريح اللفظ والعبارة، لكنّ الكثيرين اعتقدوا أنّ ذلك القول هو النتيجة المستنبطة من منطق أرسطو ثنائيّ القيم.
ولعلّ هذا الاعتراض الجنسمثليّ على منطق أرسطو، يُغفل معطى تاريخياً أساسياً، وهو أنّ رفيق أرسطو ونموذجه في البطولة والزعامة كان مثلياً سلبياً، ألا وهو الإسكندر الأكبر، فكيف يجوز لنا أن نستنبط من منطق أرسطو أية نزعة معادية للمثلية؟ ألا يتعلق الأمر باستنباط متسرّع؟

فرويد والمثليون: العودة إلى السياق
العديد من المناضلين المثليين الجذريين، يعتقدون بأنّ سيغموند فرويد يتحمّل مسؤولية إشاعة الموقف الذي انتهى إلى تصنيف الممارسة المثلية ضمن الأمراض النفسية، وذلك حين اعتبر المثلية "توقّفا في النموّ الجنسي" للإنسان، ومعلوم أنّ المنظمة العالمية للصحة نفسها، لم تقرّر حذف المثلية من لائحة الأمراض النفسية إلاّ في عام 1990، بما يعني أننا تأخرّنا كثيراً، وأنّ نخب الفكر العقلاني الغربي قد تكون ساهمت في هذا التأخّر.
نفترض ابتداء بأنّ الأمر يتعلّق بمجرّد سوء تفاهم، انتهى إلى تصنيف مكتشف اللاّشعور، ومن منظور بعض الحركات المثلية الجذرية، ضمن التيار المحافظ والمعادي لحقوق المثليين، والحال أن اللوم الموجه لفرويد، يغفل عن ذكر، أو عن إدراك، السياق الذي قرّر فيه فرويد -والذي لم يكن معادياً للجنسمثلية- أن يعتبر المثلية بمثابة توقّف في النموّ الجنسي.
موقف فرويد جاء ضمن فرضيات تحليلية كانت في طور الاختبار، فرضيات تجعل المراحل الأولى للنمو الجنسي عند الأطفال، بمثابة الحلقة المركزية والحاسمة في تحديد اتجاهات النمو عند الإنسان، لذلك كان فرويد يستبعد أية إمكانية لتعديل اتجاهات النمو الجنسي، والتخلص من التثبيت La fixation، إذا ما "اكتمل نضج وتطوّر" الشخص في أيّ اتجاه من الاتجاهات، غير أنّ الموقف التحليلي الفرويدي تزامن أيضاً، مع سياق اشتهر بحملات التحريض على كراهية المثليين، حملات شنّها النازيون منذ المراحل الأولى للدعاية النازية، وجاءت في سياق تاريخ ثقافي معاد للمثليين، قبل أن يتم اقتياد العشرات من المثليين إلى معسكرات الإبادة الجماعية، وذلك عقب بداية هيمنة الحزب النازي على السلطة. وهكذا طوّر فرويد فرضياته التحليلية، في اتجاه نزع طابع الجريمة عن الميول الجنسية للمثليين، وسحب المشروعية عن دواعي تجريمهم ومعاقبتهم.
أما حين نستحضر موقف فرويد من المثليين، بمعزل عن فرضيات النمو الجنسي عند الأطفال، وبمعزل عن حملات التنكيل التي عاينها فرويد، مع بدايات صعود النازية، فإننا نظلم كلاّ من التحليل النفسي والمثليين على حد سواء، وحين نقف عند حدود القول بأنّ التحليل النفسي اعتبر المثليين أشخاصاً "يعانون" من "أوديبية مقلوبة"، بمعنى "غير طبيعية"، جراء "توقف نموهم الجنسي"، فإننا ننسى بأن الأصل في كلام فرويد أنه يختبر قدرة فرضياته التحليلية على مواجهة سياق ثقافي معادي للمثليين، منذ القرون الوسطى ووصولاً إلى حملات النازيين.
وأيّا يكن، فحتى لو اتفقنا مع بعض المواقف التي تقول بأننا حين نعتبر المثلية توقفاً في النمو الجنسي، فإننا نفتح الباب أمام القول بأنّ المثلية عرض سيكولوجي، إلاّ أن فرويد هو نفسه الذي يعتبر كافّة أشكال الإبداع الفنّي والجمالي من أطيب ثمرات الأعراض النفسية والأمراض اللاّشعورية، إننا حتى في الحبّ الجنسي الغيريّ، نفيض باستيهامات غير عادية، وقد لا تكون سوية بالمعنى المبتذل للسوي، ومحصلة القول، أن فرويد هو من يعلمنا أننا لا نكون أسوياء ولا نكون عاديين إلا حين نكون مبتذلين.
لقد ناهض فرويد موقف النازيين والذي يعتبر بأن المثلية قدر بيولوجي يحمله بعض الأشخاص منذ ما قبل الولادة، ولا سبيل لتغييره من غير الاجتثات، وحاول أن يعثر للظاهرة على تفسير يحررها من كل أشكال الحتمية البيولوجية، ليجعلها مجرّد اختيار لاشعوري.
وواقع الأمر أن المثليين غير متماثلين وغير متجانسين، فمستويات التفريغ العاطفي تختلف، ودرجات السلبية أو الإيجابية تتفاوت بدقة لا متناهية من فرد لآخر، كما أن العلاقة بين الميل والممارسة تتنوّع من فئة لأخرى، وما قد يندرج في بعض عوامل الوراثة لدى البعض، ليس أكثر من ميول نفسية لدى البعض الآخر، وما هو مجرّد ميل جسدي لدى البعض، هو أيضاً انجذاب عاطفي لدى آخرين، ومن هنا لا يمكننا أن نستبعد الفرضية الفرويدية عن بعض مظاهر الجنسمثلية باعتبارها نوعاً من الأوديبية المقلوبة، شريطة أن لا نعتبر الأمر سلبياً، تماما كما تستطيع بعض الحركات المثلية أن تفترض أهمية التفسير البيولوجي، من غير أن تنتهي إلى نفس النتائج الاستئصالية للنازيين.

يتبع ... 

Saturday, October 9, 2010

الثقافة المثلية العربية


تفصيل صغير عني هو أني ولدت في دولة الإمارات العربية المتحدة، وعشت فيها طوال حياتي –وإلى الآن- وقد تلقيت دراساتي في مدارسها الحكومية أيضاٌ. حين كنت في الصف الأول الإعدادي، جاءتني إحدى الزميلات وأرتني صورة شخصية لطالبة في صف آخر.

 "هذي حبيبتي. حلوة، صح؟" سألتني. بصراحة لم يكن عندي رأي بالموضوع، ولكني أومأت لها ب"نعم" مهذبة.

لم أفهم المعنى الكامل وراء كلمة "حبيبتي" آنذاك، وقد كانت هناك بضعة طالبات أخريات علمت أن لهن "حبيبات" في فصول أخرى. والجدير بالذكر أن هؤلاء الفتيات (وحبيباتهن)  كن يتوافقن في مظاهرهن الخارجية وتصرفاتهن مع توقعات المجتمع وقوانينه لما يعتبره "أنثوياٌ"، وذلك بعكس "البويات"، اللواتي يكن أقرب إلى الأندروجينية وما يعتبره المجتمع ذكورياٌ. فكانت العلاقة الأولى هي أنثى/أنثى، بينما الأخرى بوية/أنثى (واعتذر لجلافة وفظاظة التبسيط السابق، فأنا أعلم أن الأمور أكثر تعقيداُ من الطريقة التي بسطتها فيها).

لربما بدأتم بالتساؤل عن الداعي وراء كل ما سبق؟ الحقيقة أني منذ بضعة أيام كنت أفكر عن ماهية "ثقافتنا المثلية العربية". يمكنني القول بأني أعرف الكثير عن المجتمعات المثلية الغربية وثقافاتهم المختلفة من قراءاتي في المواقع والمدونتات، وكثير مما أقرؤه أفهمه وأتفهمه وأحترمه وأتسلى به وإن كنت لا أشعر "بالانتماء" إليه –إن صح التعبير. ولا أتحدث هنا عن المواضيع التجريدية كالحديث عن حقوقنا الإنسانية، بل عن الأمور الحياتية اليومية، كتعيين الهويات وتسمياتها، المغنيين والممثلين المفضلين، كيف تتكون وتقوم إتيكيتات العلاقات الرومانسية، إلخ.

الأمر معقد جداٌ بالتأكيد. ففي بادىء الأمر، ما الذي أقصده "بثقافة مجتمعاتنا المثلية"؟ ثقافة اي مجتمع نتحدث عنه؟  أول ما يأتي في بالي هو مجتمعاتنا العربية الإسلامية، وذلك بشكل عام، فأنا أعرف بأن قول "مجتمعاتنا العربية الإسلامية" لا يحصر شيئاُ، فلدينا مجتمعات عربية إسلامية  مختلفة، وكل مجتمع عربي به مجتمعات تنفصل عن بعضها البعض بالطبقة ومدى الدينية والتدين ودرجة التعليم وما إلى ذلك، وكل ذلك يلعب دوراُ، وميسوري الحال من المثليين العرب (وهنا أضم نفسي) هم على الأغلب الذين ستكون لديهم الأدوات والاستطاعات لتقديم ماهية "الثقافة المثلية في سياق المجتمع العربي الإسلامي"، وبذلك ستكون الصورة المكونة ناقصة، لأنها ستبرز حياة المثليين والمثليات العرب المسلمين الميسورين أنفسهم بطبيعة الحال وبذلك يهيمنون على حساب حياة المثليين الفقراء أو الذين لا يملكون الأدوات اللازمة لإبراز أصواتهم. وما سبق يستثني أيضاُ العرب المثليين الغير مسلمين، من مسيحيين ويهود و حتى الملحدين.

فلربما كا ن من الأفضل إذاٌ أن نقول "ثقافاتنا" المثلية العربية (ولا نقول إسلامية)، فلا نحد ولا نحصر، وحين نتحدث عن كيفية حياة مثلية عربية معينة، نفهم من سيا ق الحديث تتخصص بمن هذه الثقافة المعينة، ومن تضم، وذلك بشكل عام طبعاً، فلا نعمم ولا نحصر ونبقي عقولنا متفتحة.

وبما أننا حللنا المشكلة الأولى، أبدأ بالمشكلة الثانية و التي تستعصي علي. هل لدينا نحن العرب "ثقافات مثلية" تخصنا فعلاُ؟  فلنأخذ مصطلح "بوية" مثلاُ. مأخوذة من الكلمة الإنجليزية لولد و ثم أضيف إليها تاء التأنيث، ومع أني أعرف بأن هذا المصطلح واستخدامه هو في الأغلب يختص على مثليات الخليج العربي (وهنا نتحدث عن الحالات المثلية حقاٌ، وليس عن حالات الفضول بالمثلية أو التجريب)، فأنا  أعرف كذلك بأن  كل ما توحيه من شكل معين وتصرفات معينة يمكن إيجادها في المجتمعات العربية الأخرى والمجتمعات الغربية أيضاُ تحت مسميات معينة أخرى   تأتي على بالي، وهذه نفسها غير مقيدة ولها تفرعات!). والمصطلح نفسه أصله أجنبي. Tomboy و  Butch  (

 حل واحد يعتمد على تصديقنا على الرأي الذي يقول بأن المثلية بمفهومها الغربي (وأضع علامة استفهام كبيرة عند هذا الوصف للمثلية) جديدة على مجتمعاتنا، ولا أقول "دخيلة" هنا، بل نحن كمثليين تقبلناها لأننا وجدناه مفهوماُ يصفنا ويطابقنا بشكل جيد، وفضلناه على المفهوم العربي الذي يرى المثلية كأفعال جنسية وحسب (وهذا مفهوم عفا عليه الزمن بكل صراحة). فتكون شكل معظم ثقافاتنا المثلية العربية هي عبارة عن استمداد جوهر بعض الأفعال والتصرفات وطرق المعيشة التي يعيشها المثلييون في الغرب ونجعلها لنا بأن نصقلها  لتتوافق بما نؤمن به وتتناسب مع حياتنا وما إلى ذلك، فتصبح جزءاُ منا وثقافاتنا. وما سبق ما هو إلا محض نتيجة من العيش في هذا العصر حيث التبادل الثقافي يسود، والثقافة الديناميكية المتطورة تتقبل كل ما يناسبها مما هو جديد لتبقى على قيد الحياة وتزدهر.

ما سبق يمكن أن بقدم حلاّ للمشكلة الثانية، ولكني أعترف بأني لا أحبذه، لأنني لا أصدق بأن المثلية كما نعرفها اليوم اخترعها الغرب (ليس عدلاً أن يخترعوا كل ما هو رائع!!!)، فالمثلية وصف لحالة إنسانية حصلت وتحصل وستحصل عبر العصور.

وإذاٌ؟

ليس لدي حل سريع، ولكن لدي اقتراح. أعتقد بأن جهوداُ شخصية خفيفة، حيث يقوم كل مثلي ومثلية بإضافة ووصف مصطلح أو فعل أو تصرفات ما أو أسماء فنانين أو أماكن أوأي شيء آخر، يعتقدون أنها جزء من ثقافتهم المثلية كما يعرفونها في حلقتهم ومجتمعهم الخاص أو جزء من ثقافة مثلية ليسوا جزءاً منها، ستساعد في البصم على ما نهتم به نحن المثليين وما يشكل جزءاً منا وثقافاتنا الملونة العديدة.



Saturday, September 25, 2010

بماذا نطالب؟

ما الذي نطالب به، نحن العرب والمسلمون المثلييون، من
مجتمعاتنا؟

دخلت في نقاش قصير قبل يومين، وذلك في مجموعة اسمها "
عن المثلية نتحدث" على الفيس بوك، وهذه المجموعة أنشأت للكلام عن المثلية في مجتمعاتنا وتشجيع "معالجة" المثليين، والمختلف عن هذه المجموعة أنها تبتعد عن القذف والشتائم ضدنا (يال التطور!) وإن كانت الآيات القرآنية المتوعدة بالعذاب موجودة في التعليقات على المواضيع المنشورة.

وقد كان الموضوع عبارة عن صورة لشاب مع عبارة "أنا شاذ ومش مبسوط كده، ونفسي أعيش طبيعي"، طبعاُ لم يكن أمامي سوى إبداء رأيي، وحين رجعت وقرأت المحادثة القصيرة التي نتجت- حيث أكدت بأني شخصياٌ لا أطالب بأية حقوق، بل أدعوا الغير مثليين أن يكفوا شرهم عنا- بدأت أفكر بما أريده حقا، وأنا فتاة مثلية، من مجتمعاتنا.

بينما تقدم مكان المثليين الغربيين في مجتمعاتهم حتى صارت معاركهم من أجل الحصول على حقهم بالزواج، والتبني، والقضاء على التحامل ضدهم في مجال العمل، مازلنا نحن نرجوا ونتضرع من أجل "حق" أن لا نضطهد. أشياء بسيطة للغاية،"كحق" عدم التعرض للقذف أو الضرب أو القتل حتى نعيش حياتنا بهدوء وأمان ما زالت بعيدة المنال. فكرت بكل ما قرأته وأقرأه من مدونات ومواقع عن ما يريده المثليون العرب والمسلمين الذين يعيشون في مجتمعاتهم وليس في الخارج، ولا أستطيع أن أفكر بأي أحد يدعو للحصول على الحقوق التي ينعم بها ويقاتل من أجلها الغربيون، وليس الامر مثيراً للدهشة طبعاُ، فحتى يتقبلنا المجتمع السوي كبشر لن نحصل على شيء- الأمر الذي يدعو إلى الاستغراب من اتهامنا بأننا سنؤدي إلى خراب وضياع مجتمعاتنا، فكيف ومصيرنا إذا جاهرنا بمثليتنا هو السجن والقتل؟ ليس لدينا القوة لحماية أنفسنا، فما بالك بالقوة التي سيحتاجها المرء لتدمير مجتمع بأكمله؟- فالسؤال يصبح: ماذا نفعل حتى تتقبلنا مجتمعاتنا؟

الجواب غير واضح. الجهر بمثليتنا لمجتمعاتنا وأسرنا والقتال لحقوقنا علناُ فكرة مجنونة للكثيرين منا، وأنا أولهم، وذلك لأسباب واضحة. مما يأخذنا إلى الطريقة الأخرى، و هي فكرة أن مدونة كهذه وغيرها حيث المواضيع محضرة بنا نحن تتحدث بألسنتنا ستبين للمغايرين الين يكرهوننا (وليس كل المغايرين يكرهوننا) بأننا بشر مثلهم بقلوب وأحاسيس حقيقية وأفكار وقضايا، وفقط حين يدرك أغلبيتهم ذلك سنتمكن من ضمان سلامتنتا والبدء بالمطالبة بأكثر من مجرد حق الحياة بأمان. الحقيقة أني غير مقتنعة تماماُ بهذه الفكرة، وذلك لأني لا أعتقد بأن عقلية مجتمعاتنا تستطيع أن تتقبل التغيير أوالمغاير لها، ولم أسمع أو أقرأ عن أي مغاير عربي أو مسلم كان يكرهنا ثم بدأ يتقبلنا من وراء قراءة ما كتبناه عن أنفسنا (إن مر على أحدكم موضوع كما سبق فابعثووه لي!). وأنا لا أنكر أن هذه المساحات مهمة ومفيدة (فها أنا أشارك في أحدها!) ولكني أكذب إن قلت بأني أصدق بأن لهذه المساحات القدرة على تبيين الحقيقة لمن لا يريد أ يفتح عقله.

الأمر معقد طبعاً، وليس عندي فكرة عما نستطيع أن نفعله، أو إن كان أغلبيتنا يريد حقاُ أن نفعل نحن كمجتمع مثلي شيئاُ. ما قولكم؟ هل لديكم أفكار، حلول؟ أعلينا أن ننسى الأمر برمته ونكمل عيش حياتنا "في الخزانة" كما نفعل الآن؟ شاركوني آراءكم.