Friday, November 12, 2010

ما علاقة العلمانية بالمثلية.!؟


من المؤسف حقاً أن الغبار الكثيف الذي أثاره ويثره المتزمتون دينياً حول العلمانية والعلمانيين منذ عقود، وحملات التضليل والتزييف مازالت مستمرة بأشكال وعناوين مختلفة والهدف واحد هو منع انتشار العلمانية في مجتمعاتنا العربية، بحجب معناها وطبيعتها عن الناس وتنفيرهم منها، وتحفزيهم على مقاومتها من خلال إلصاق التهم كيفما كان بالمؤمنين بها بأنهم ليسوا إلحاديين فقط، بل ومنفلتين أخلاقياً.


هذا ما فهمته لدى قراءتي لمقالة السيد حسان محمد محمود المنشورة على موقع سيريا نيوز بتاريخ 8/10/2010 بعنوان " يا لوطيي و سحاقيات العرب...اتحدوا !" ربط فيه بين المثليين جنسياً وبين العلمانيين، حيث بدأ باتهام بعض العلمانيين بقوله:( إلى متى يبقى بعض العلمانيون العرب مصرون على طلب "البوظة" فيما جماهير مجتمعاتهم تشيّع كل يومٍ جزءاً من أرضها وكرامتها وكبريائها وأبسط مقومات عيشها الكريم؟) ثم يختم الكاتب مقالته بتوجيه الاتهام إلى كافة العلمانين العرب بقوله :( وأحسب أن شعار "يا لوطيي وسحاقيات العرب...اتحدوا" ليس مناسباً للمرحلة، ليس مناسباً إطلاقاً سادتي العلمانيين، وأظنه يرسخ حالة الاحتقار المتبادل بينكم وبين شعوبكم، تماماً كما هي علاقة الاحتقار المتبادل بين المالومعظم الفقراء في هذا العالم العربي الشا.....سع.).


يعلن السيد حسان محمود أنه ضد المثلية والمثليين، وهذا حقه، ولكن ليس من حقه رمي التهم جزافاً واتهام العلمانيين وزجهم في أمور لا علاقة لهم بها، ثم من قال للسيد الكاتب أن من كتب دفاعاً عن حقوق المثليين هم من العلمانيين؟ وعلى فرض أنهم علمانيون ، فهل يجوز أن نتهم جميع العلمانيين العرب بذلك لمجرد أن واحد أو اثنين - على ما أعتقد- قد دافعوا عن حقوق المثليين..؟
أن تكون ضد العلمانية فلا بأس عليك، وأن تكون ضد المثلية فهذا حقك، المهم أن يبقى هناك مكاناً للكلام وفسحة للحوار، لكن أن يصل الأمر بالبعض إلى اتهام العلمانية بالانفلات الأخلاقي ووصف العلمانيين العرب بأنهم محتقرون من شعوبهم؟ فهذا أمر يخرج عن مجرد إبداء رأي أو اتخاذ موقف ليصل إلى حد التجريح والتشهير والتهويل والتحريض قد يهدد العلمانيين العرب في حياتهم وأموالهم بحجة الدفاع عن الشرف والأخلاق والدين.
إنها حملة مبرمجة الهدف منها ليس تضليل الشعوب العربية بل وإخافتها من العلمانية والعلمانيين تارة تحت ستار بأن العلمانية ضد الدين، وتارة أخرى تحت ستار أن العلمانية تدعو إلى الانحلال الأخلاقي ونشر المثلية ، مع تكرارنا الممل أن العلمانية غير الإلحاد وليست إنحلالاً ، فالمثلية لم تأتينا من الغرب، بل كانت ومازالت موجود في مجتمعاتنا قبل أن يكون هناك غرب وشرق فهل كان الشاعر أبو النواس نديم الخليفة العباسي هارون الرشيد علمانياً عندما كان يتغنى ويتفاخر بعلاقته مع الغلمان :
فإن أردتم فتاة أتيتكم بفتاة
وإن أردتم غلاماً رأيتموني مؤاتي
فثاوره مجوناً في وقت كل صلاة
فالعلمانيون العرب الذين يراهم السيد حسان محمود محتقرين من شعوبهم، لا يدعون إلى الانحلال الأخلاقي والمثلية، ببساطة شديدة إنهم يدعون إلى أن تقف دولنا العربية موقف الحياد من العقائد والمذاهب التي تدين بها مكونات شعبوبها، بمعنى ألا تكون في قراراتها وسياساتها وخططها وتعييناتها – بما في ذلك مناهجها التعليمية وسياساتها الإعلامية والثقافية - منطلقة من مذهب أو دين معين، وإن كان مذهب أودين الأغلبية، لما في ذلك من تهميش لعقائد الآخرين وتمييز ضدهم وإخلال بمبادئ المساواة والعدالة والمواطنة. ولا يدعون إلى التقليل من شأن الدين ومكانته السامية في النفوس ودوره المؤثر في المجتمع، بل يدعون إلى عدم إقحام الدين في الشأن السياسي اليومي المتحول أو في اللعبة السياسية المتذبذبة يسارا ويمينا، وحفظ هيبته ومنزلته وتنزهه من السقوط في وحول السياسة التي تتغير قواعدها وآلياتها بتغير الأهواء والظروف والشخوص والمصالح.


هذه هي العلمانية التي يدعو العلمانيون العرب إلى تطبيقها في بلداننا العربية، والتي سبقنا الغرب الذي ننعته بالكفر والرذيلة إلى تطبيقها منذ عام 580 هجري، عندما ثار فقهاء العرب على تعاليم ابن رشد واتهموه بالزندقة فحاكموه وأحرقوا كتبه الفلسفية التي التهمتها العقول في الغرب، بعد أن حولناه بأيدينا إلى رماد ، بينما حولها الغرب إلى نور مزقت ظلمتهم لتنير الطريق أمامهم وصولاً إلى عصر النهضة..وهكذا غربت العقول في مجتمعاتنا بعد أن كُبلت وسُجنت في غياهب الظلام، لتشرق في دول الغرب بعد أن تحررت الأفكار وساد الفكر التنويري ، فيما نحن مازلنا نحن نعيش اليوم في ظلام وتخلف وانحطاط وننتظر ما يأتينا من الغرب من صناعات وابتكارات واختراعات ونعتاش على ما تنتجه الدول الغربية التي اعتمدت منهج العقل وأخذت بالعلمانية كمنهج ووسيلة لتنظيم العلاقة بين ما هو سياسي وما هو ديني، بينما نحن مازلنا نعيش على الأطلال والأمجاد الغابرة وندبج المقالات والدراسات فخراً بأننا كنّا سبباً في نهضة تلك الدول الغربية والتطور والتقدم العلمي.


ترى لو أن الدول الغربية التي أخذت بالعلمانية ارتضت لنفسها بما كان يجرى من قمع لحرية التفكير وحجر على العقول وتدخل في كل قرار دنيوي على يد الكنيسة ورجال الدين وتفسيراتهم، هل كانت استطاعت أن تحقق نهضتها الراهنة وأن تصل إلى ما وصلت إليه من إنجازات في شتى المجالات الإدارية والحقوقية والتربوية والعلمية والصناعية والاقتصادية إلا بعد أن تحررت من سطوة الكنيسة وتفسيراتها المتشدد، وليس من الدين نفسه، وأقامت الدولة المدنية العلمانية ؟ أم كان سيكون مصيرها كمصيرنا نحن العرب بعد أن ارتضينا الارتهان لرجال الدين وتفسيراتهم تفعل فعلها في أدق تفصيلات حياتنا اليومية منذ إحراق كتب ابن رشد.


المحامي ميشال شماس:( كلنا شركاء)
لقراءة مقال يا لوطيي و سحاقيات العرب...اتحدوا !

المحامي ميشال شماس - كلنا شركاء
 

Wednesday, November 10, 2010

المثلية الجنسية (4)

المثليّة الجنسيّة في الكتاب المقدّس العبراني

ومضات من التاريخ
ليس من السهل الكتابة برصانة في موضوع كالمثليّة الجنسيّة، لم يتم التعامل معه عبر الكتابات العربيّة، قديمها وحديثها، إلا من منظور الإدانة أو التفكّه. إن شعباً يشكو من القحط المعرفي، كالعرب، يتعامل بنوع من الخرافيّة المعادية للعقل والإنسان مع الجنسانيّة sexuality الأنثويّة التي تعتبر طبيعيّة، لا يمكن أن نتوقع منه أن يتعامل بحياديّة موضوعيّة مع جنسانيّة تصنّف حتى في بعض الدوائر ضمن الدول المتقدّمة بأنها غير طبيعيّة أو " شاذّة "، كالمثليّة الجنسيّة. من هنا، فإن مقاربة هذه الظاهرة التي استفحلت للغاية في الدول الناطقة بالعربيّة بجديّة بحثيّة بعيداً عن الاستعراض الذي اعتمدته بعض المحطات التلفزيونيّة أو الصحف في مناقشة الموضوع، يمكن أن يساهم ليس في حل هذه المشكلة، لأنها ببساطة ليست مشكلة، بل في تقديم المثليّة الجنسيّة دون تزويق مبالغ به أو إدانة متطرّفة لمجتمعات تعاني من رهاب الجنس. بالمقابل، قد يساعد هذا الملف في مصالحة المثلي مع ذاته الجنسيّة؛ في تقبله لأناه، عوض رفضها عبر ممارسات ارتكاسيّة لا تبعد كثيراً عما يمكن وصفه، بكل أسف، "العهر الذكوري".
في حلقات ملفنا الثلاث هذه سنتناول دون تفصيل ممل مسألة المثليّة الجنسيّة: الحلقة الأولى تحكي عن المثليّة الجنسيّة تاريخيّاً، إن في اليهوديّة – أول من أدان المثليّة الجنسيّة من الأديان – أو في الإسلام؛ مع توقف سريع عند كتاب هام، اخترناه من مجموعة أعمال تراثيّة ليست كثيرة، تناولت ضمن أمور أخرى المثليّة الجنسيّة في التراث العربي: نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب؛ الحلقة الثانية تتناول الحياة السريّة للمثليين الجنسيين في دمشق كما عرفناها، مع تركيز على بعض مواقع الشبكة العنكبوتيّة التابعة للمثليين الجنسيين ودورها في تسهيل التعارف المثل- جنسي؛ وأخيراً نتناول بنوع من التبسيط مقاربة المثليّة الجنسيّة من منظور التحليل النفسي وعلم الجينات.

الإعاقة المركّبة
ضمن عملنا التطبيقي على ملف المثليّة الجنسيّة الذي استغرق نحوا من عام ونصف، كان السؤال الدائم الذي طرحناه على المثليين الجنسيين الذين عرفناهم أو صادقناهم: " لو كان الخيار بيدك، هل كنت تفضّل أن تكون مثليّاً جنسيّاً أو مغايراً جنسيّاً؟ ". كان الجواب الدائم، أنه لا أحد يفضّل أن يكون مثليّاً جنسيّاً على الإطلاق؛ بل أقول بثقة بابوية، إن بعضهم بدا أقرب إلى البكاء وهو يحكي عن معاناته من جنسانيته. من هنا، كان عنوان الملف: الإعاقة المركّبة. مما لا شكّ فيه أن المجتمعات كلها في السنوات الأخيرة صارت تبدي نوعاً من التعاطف مع المعاقين، إن جسديّاً أو عقليّاً، لا يمكن إلا أن يلفت الأنظار. بل إنها صارت ترفض التعبير "معاقين"، حفاظاً على مشاعر هؤلاء، ودخل التداول العالمي مصطلح "ذوي الاحتياجات الخاصّة". والحقيقة التي لا غبار عليها أن معظم الإعاقات أسهل تحمّلاً على صاحبها من المثليّة الجنسيّة. إن أهم عنصرين في الحياة البشرية هما الاستمرارية والاستقرار. المثلي الجنسي، عموماً، يفتقد هذين العنصرين. فهو غير قادر على الاستمرارية عبر التناسل الطبيعي لأنه يميل فطريّاً إلى أبناء جنسه، الأمر الذي يحول بينه وبين التواصل البشري من خلال الإنجاب، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، سوف نشرح في الملف الثالث الأسباب التي تحول بين المثل-جنسي والاستقرار بكافة أشكاله عموماً، وهو ما يبدو أقرب إلى المألوف في حياة المغاير جنسيّاً. إذن، إن معظم المعاقين جسديّاً يتمتعون بوجودهم البشري أكثر بكثير من المثليين الجنسيين، الذين يعيشون إعاقة مركّبة: معاقون عن الحياة الإنسانيّة العاديّة، ومعاقون برفض المجتمع لإعاقتهم، عوض التعاطف معهم، ومساعدتهم.
ترجع مسألة المثليّة الجنسيّة في اليهوديّة إلى سفر اللاويين، الذي يصف المضاجعة الجنسيّة بين الذكور بأنها "قبيحة"، يمكن أن يستحقّ فاعلوه عقاباً كبيراً؛ مع أنّ المحاكم الهالاخيّة غير مؤهلة لتطبيق هذا النوع من العقاب في غياب الهيكل في القدس. يقول سفر اللاويين، 22:18،  : " والذكر لا تضاجعه مضاجعة النساء، إنّها قبيحة ". ثمّ يقول السفر ذاته، 13:20، : " وأيّ رجل ضاجع ذكراً مضاجعة النساء، فقد صنع كلاهما قبيحة، فليقتلا: دمهما عليهما". إن تعبير"توئيفا" المترجم عادة بلفظ "قبيحة"مستخدم في التوراة للإشارة إلى جملة من الممارسات المحظورة. في التلمود، كعادة العبرانيين، نجد أن توئيفا اختزال لجملة توئيه أتا فاه (أنت مضلل بها ).

لوط:
أوّل إشارة في الأدب الدينيّ إلى المثليّة الجنسيّة في ما يسمّى بالأديان السماويّة، هي حديث الإصحاحات 11-14، 19، من سفر التكوين، عن لوط לוֹט، ابن أخ إبراهيم، الذي يقال إنّه غادر مدينتي سدوم وعمورة بسبب الآثام التي كان يرتكبها سكانّهما، أي المثليّة الجنسيّة. فبعد أن ذهب لوط وعائلته مع إبراهيم وعائلته من أور الكلدانيين إلى مصر، اصطحب إبراهيم لوطاً معه بعد أن أمره الله بأن يذهب إلى أرض كنعان. لكنّ قطعان الماشية عند كلا الطرفين والشّجار بين الرعاة جعل استمرار لوط وإبراهيم معاً أمراً صعباً. فارتحل لوط نحو الجنوب الشرقي إلى السهوب المجاورة لمدينتي سدوم وعمورة. في الإصحاح 19 من سفر التكوين تصل الأسطورة التوراتيّة إلى إحدى قممها الهامّة. فحين يقرّر الله تدمير مدن السهل الخمس وقلب عاليها واطيها، يرسل ملائكة إلى مدينة سدوم حيث يلتقون لوطاً عند بوابات المدينة. يبدو قلق لوط كبيراً في أنّه على الملائكة أن يمضوا الليل في منزله في حين يصرّ الملائكة على البقاء في الشارع. لكنّ لوطاً يضغط عليهم بشدة ليقنعهم أخيراً في البقاء عنده. مع ذلك يحاصر أهل المدينة بيت لوط وفي نيتهم "معرفة" الملائكة (معرفة تعني تقليدياً المضاجعة الجنسيّة). يقدّم لهم لوط ابنتيه العذراوين عوض الملائكة، لكن الأمر لم يكن يعنيهم. تقرّر الملائكة تحذير لوط من الكارثة المريعة التي كانت على وشك الحدوث. ويطلب من لوط وزوجته وبناته وأصهاره أن يغادروا. لم يأخذ أصهاره تحذير الملائكة على محمل الجدّ. ويتريّث لوط. تأخذ الملائكة لوطاً وبناته وزوجته من أيديهم وتجبرهم بالقوّة على مغادرة البيت، قائلين لهم: "انج بنفسك. لا تلتفت إلى ورائك ولا تقف في السهل كلّه، وانج إلى الجبل لئلا تهلك". يستعطف لوط الملائكة، الذين يوافقون على إمكانية لجوئه إلى صوعر، إحدى المدن الخمس المهددة بالدمار. أمّا زوجته، التي تنظر إلى سدوم، فتتحوّل إلى عمود ملح. الأغرب في هذه الأسطورة التوراتيّة أنه بعد أن يغادر لوط صوعر، يلجأ مع ابنتيه إلى كهف في جبل مجاور. تعتقد الابنتان أنّهما وحدهما من بقي على قيد الحياة بعد الكارثة [نلاحظ هنا غياب إبراهيم وعائلته بالكامل ]. وتعتقدان بالتالي أنّ مسئوليتهما تكمن في أن تحملا من أجل استمرار الجنس البشري. وفي إحدى الليالي، وفق خطّة أعدتها البنت الكبرى، تسكر الابنتان أبيهما، وتضاجعانه. تحمل ابنتا لوط من والدهما. ووفق الأسطورة ذاتها، تنجب إحدى الابنتين ولداً تسمّيه موآب (أب المؤابيين) [اسمه بالعبرية م-آب: أو من الأب، أي ولد من والد الابنة] والثاني عمون أو بن-عامي [ بالعبريّة، ابن الشعب ]، الذي هو أب العمونيين. فإذا افترضنا أنّ المثليّة الجنسيّة "قبيحة" يهرب منها لوط، كيف يمكن أن نفسّر مضاجعته لابنتيه في فعل يبدو أكثر رفضية من المثليّة الجنسيّة بكثير؟ داوود ويوناتان: شخصيتان بطوليتان في تاريخ مملكة إسرائيل، دونت علاقتهما الحميمة للغاية في سفري صموئيل من العهد القديم. يغطّي سفر صموئيل الأوّل معظم قصة الرجلين، مع أنه يمكن أن نصادف عناصر من تلك القصة في سفر صموئيل الثاني. الروايات تتناول قصّة صعود داوود إلى مركز القرار، التي تعتبر عموماً أحد مراجع التاريخ التثنوي [ من سفر التثنية ] وإضافاته اللاحقة.

ما يهمّنا هنا هو قصة حياة داوود، من يوم قُدّم لشاؤول، إلى يوم توّج ملكاً على إسرائيل، في الوحدة الإجماليّة المعقدة التي يسمّونها، "قصة ارتقاء داوود العرش"، والتي تقع بين 1 صم 16 و2 صم 5. وقعت خصومة مميتة بين داوود وشاؤول. فاضطر الأول للهرب والتخفّي. ورغم تدخّل يوناتان، ابن شاؤول، لصالح حبيبه، إلا أن داوود أجبر على المغادرة. ورغم وضوح التعابير العاطفيّة في السفرين، فالتفسير الديني أو التقليدي ينظر إلى هذه العلاقة على أنها حبّ أفلاطوني ومثال على المثليّة- الاجتماعيّة homosociality [ تعبير يصف علاقات بين أشخاص من الجنس ذاته، لا تتضمن بالضرورة ممارسات جنسيّة، لكن لا تنفيها]. في القرون الوسطى نجد في بعض أدب عصر النهضة إشارات إلى قصة داوود ويوناتان باعتبارها أمثولة لعلاقات شخصيّة قويّة بين ذكرين، لا تخلو من حبّ رومانطيقي. في العصر الحديث، أكّد بعض الباحثين، بمن فيهم إسرائيليون، على ما فسّروه بأنّه عناصر مثليّة- إيروتيكيّة [ تعبير يشير إلى نوع من الحبّ والرغبات بين أطراف من الجنس ذاته، كما ترد في الفنون البصريّة أو الأدب المكتوب]. لنقرأ الآن ما يقوله 1 صم عن هذه العلاقة: " ولما انتهى داوود من كلامه مع شاؤول، تعلقت نفس يوناتان بنفس داوود، وأحبّه يوناتان حبّه لنفسه… وقطع يوناتان مع داوود عهدا، لأنه أحبّه حبّه لنفسه. وخلع يوناتان الرداء الذي عليه ووهبه لداوود مع سائر ثيابه، حتى سيفه وقوسه وحمالته " ( 18: 1-4). " وكلّم شاؤول يوناتان ابنه وكلّ حاشيته بقتل داوود، وكان يوناتان بن شاؤول يحبّ داوود حباً شديداً " ( 19: 1-2 ). " عاد داوود وحلف فقال: إنّ أباك [ شاؤول ] قد علم أنّي قد نلت حظوة في عينيك؛ فقال في نفسه: لا يعلم يوناتان بهذا لئلا يحزن" ( 3:20 ). " فغضب شاؤول غضباً شديداً على يوناتان [ ابنه ] وقال له: يا ابن الفاسدة المتمرّدة! ألم أعلم أنك قد تحزّبت لابن يسّى [ داوود ] لخزيك وخزي عورة أمك؟ " ( 30:20 ). " فقام داوود من عند الأكمة وارتمى على وجهه إلى الأرض … وقبّل كلّ منهما صاحبه، وبكى كلّ منهما إلى صاحبه، وكان بكاء داوود أشدّ" ( 41:20 ). وبعد موت يوناتان،رثاه داوود؛ فقال: " كان حبّك عندي أعجب من حبّ النساء " ( 2 صم 26:1 ).

وهكذا، ننهي مقاربتنا إلى المثليّة في الكتاب المقدّس العبراني برأي مفاده أنّ علاقات داوود ويوناتان كانت أكثر من مثليّة- اجتماعيّة: هذا ما أورده كلّ من الباحثة الكتابيّة سوزان أكرمان والمستشرق جان-فابريس نارديللي. يرى الباحثان أنّ رواة سفري صموئيل قاموا بنوع من التشفير للتلميحات المثليّة بحيث يدخلون في الذهن أنّ البطلين كانا محبيّن. وتفسّر أكرمان هذا الوضع على أنه حالة مثليّة- جنسيّة ذات علاقة بعتبة الشعور، استخدمها محرّرو السفر كوسيلة نصيّة لتأكيد حقوق داوود على يوناتان: الأخير يتخلّى طوعياً عن مكانته الأميريّة عبر الانحناء، وهنا نتحدّث جنسيّاً، إلى الأوّل. يخالف نارديللي أكرمان الرأي ويقول إنّ العهود التي أدخل فيها يوناتان داوود بوصفه الشريك الأعلى رفعت تدريجياً من مكانة داوود ويمكن النظر إليها على أنها أشبه ما تكون بالزواج.

نلاحظ هنا أنه رغم كون داوود متزوجاً، فهو يميّز بين علاقته بيوناتان والرباطات التي تجمعه بالنساء. لقد تزوج داوود بنساء عديدات، كانت إحداهن زوجة يوناتان المسماة ميخال، لكنّ الكتاب المقدّس لا يذكر أن داوود أحبّ ميخال( مع أنه يقال إن ميخال أحبّت داوود ).

أخيراً، لا بدّ أن نذكر أنّ المدراش، هو واحد من نصوص قديمة قليلة جداً تشير إلى زواج مثليّ. والتعاليم التالية ترد مرّتين في المدراش: " قال حاخام حونا باسم حاخام يوسف: لم يمح جيل الطوفان حتى كتبوا وثائق زواج لوحدة رجل مع ذكر أو حيوان".

بقلم: نبيل فياض 

Monday, November 1, 2010

الاجتهاد أمام المثلية الجنسية



كما هو الشأن في كلّ المجتمعات البشرية، لبعض المسلمين في مختلف المجتمعات الإسلامية اتّجاه جنسيّ مثليّ، بمعنى أنّ الرجل يجد متعته الجنسية مع الرجل (والمرأة مع المرأة). وقد توقّف الطبّ العقليّ عن اعتبار المثلية شذوذا أو اضطرابا منذ أواسط السبعينات من القرن العشرين، وأصبحت المواثيق الدولية تعترف بحقوق المثليّين الجنسية باسم الحريات الفردية وباسم حقوق الإنسان. وبالتالي يجد المسلمون أنفسهم اليوم مطالبين بتبنّي المنظورين العلميّ والحقوقيّ للمثلية الجنسية. اليوم، يتحتّم على المشرّع في العالمين العربيّ والإسلاميّ أن يجتهد قصد وضع قوانين غير مجرّمة للمثلية الجنسية. هدف هذه الورقة اقتراح بعض المعاني التي ينبغي أن يتبنّاها الاجتهاد في نظرنا، وهي معانٍ تساعده على التكيّف انطلاقا من أدلّة نقليّة وأخرى عقليّة.

1. الاجتهاد تأويل

تذهب بعض التفسيرات الحديثة إلى أنّ تدمير آل لوط لا يعني عقابا للمثلية، وإنما هو عقابٌ ضدّ مغتصبي ضيوف لوط. فالفرق شاسع بين اغتصاب المرسلين إلى لوط وبين علاقة مثلية بين راشدين راضيين، علاقة تتميّز بالرغبة والمتعة وفي حالات متكاثرة بالحبّ والاستقرار النفسيّ، وبالمساواة أساسا. بتعبير آخر، لا ينطبق المفهوم القرآنيّ للّوطية على المثليّة الجنسية الحداثية، فالفاحشة لا تكمن في الإتيان من الدّبر بقدر ما تنحصر في اغتصاب ملائكة مرسلين إلى لوط.

من جهة ثانية، يتحدّث القرآن عن الغلمان والولدان في ثلاث آيات هي: “يطوف عليهم غلمان كأنّهم لؤلؤ مكنون” ( الطور: 24 )، “ويطوف عليهم ولدان مخلدون” ( الإنسان: 19 )، “يطوف عليهم ولدان مخلدون” ( الواقعة: 17). أمام هذه الآيات، لا بدّ من طرح الأسئلة التالية: لماذا يتمّ ذكر الولدان ثلاث مرّات في القرآن؟ ثم ما سرّ وجود الغلمان في الجنّة؟ ما هي طبيعة الخدمات التي يقدّمونها؟ ما سرّ التأكيد على جمالهم الذي لا يفنى (لؤلؤ مكنون، مخلّدون)؟ ماذا يعني ربطهم بالجواري وحور العين في خدمة الرجل المؤمن؟ هل تقتصر الخدمة على المعنى الظاهر أم أنّ الجسد الخادم نفسه أداة في الخدمة، في إعطاء المتعة؟ هل ما هو محرّم في الدنيا حلال في الجنّة كما هو الشأن بالنسبة للخمر والاستمتاع بأكثر من أربع نساء؟ وبالتالي ما الذي يمنع من أن يدخل الغلمان في إطار ما تقدّمه النساء والجواري والحور من خدمات جنسية، من إمتاع المؤمن؟ يسير الطبري في هذا الاتّجاه حين يؤكّد أنّ الغلمان لا يفتئون عن تقديم شراب الخمر إلى الرجال المؤمنين الذين نالوا الجنة، مثلهم في ذلك مثل الجواري وحور العين. في هذا السياق التأويلي، يقول يحيى بن أكثم، وهو معروف باللواطة وحبّ الغلمان: “لقد أكرم الله أهل الجنّة بأن طاف عليهم الولدان، ففضّلهم في الخدمة على الجواري، فما الذي يخرجني عاجلا عن هذه الكرامة المخصوص بها أهل الزلفى لديه”؟

2. الاجتهاد توثيق

يتأسّس حكم قتل اللوطيّ في الفقه على الحديث القائل: “‏من وجدتموه يعمل عمل قوم ‏ ‏لوط ‏ ‏فاقتلوا الفاعل والمفعول به”. ‏لكنّ إسناد هذا الحديث ضعيف كما يتّضح من “تحفة” الأحوذي لشرح جامع الترمذي: “قال ‏‏وفي ‏الباب ‏‏عن‏ ‏جابر‏ ‏وأبي هريرة‏ ‏قال‏ ‏أبو عيسى:‏ ‏وإنما يعرف هذا الحديث عن ‏ابن عباس ‏عن النبيّ ‏ ‏صلى الله عليه وسلّم ‏‏من هذا الوجه. ‏وروى‏ ‏محمد بن إسحاق‏ ‏هذا الحديث‏ ‏عن‏ ‏عمرو بن أبي عمرو‏ ‏فقال: ‏ملعون من عمل عمل قوم ‏ ‏لوط‏ ‏ولم يذكر فيه القتل وذكر فيه ملعون من ‏‏أتى‏ ‏بهيمة.‏ ‏وقد روي هذا الحديث‏ ‏عن‏ ‏عاصم بن عمر ‏‏عن ‏سهيل بن أبي صالح ‏ ‏عن‏ ‏أبيه‏ ‏عن‏ ‏أبي هريرة ‏عن النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏قال: ‏اقتلوا الفاعل والمفعول به.‏ ‏قال‏ ‏أبو عيسى‏ ‏هذا حديث ‏ ‏في إسناده مقال‏ ‏ولا نعرف أحدًا‏ ‏رواه ‏عن ‏ ‏سهيل بن أبي صالح‏ ‏غير‏ ‏عاصم بن عمر العمري ‏‏وعاصم بن عمر‏ ‏يضعف في الحديث من قبل حفظه…” ويذهب ابن طلاع في أحكامه إلى أنّ الرسول لم يقم أبدا الحدّ على لوطيّ أو حاكم لوطيا.

3. الاجتهاد أولوية لخصوصية السبب

لماذا تمّ تحريم المثلية من طرف أغلبية المذاهب الفقهية السائدة، السنية والشيعية؟ ما السبب في اعتبار المثلية فاحشة كبيرة تستحقّ أشدّ العقوبات؟ لا بدّ من التذكير بأنّ أحد مقاصد الشريعة هو النسل التكاثريّ بفضل النكاح/الزواج. “تناكحوا تناسلوا فإنّي مُباهٍ بكم الأمم يوم القيامة” (الحديث). لذا لم يُبح الفقهاء للزوج أن ينكح الزوجة من الدّبر لأنّ تلك “اللوطية الصغرى” تجعل المنيّ يسيل مجانا ولا يعمل على تكثير سواد الأمة. صحيح أنّ الفقه أجاز المتعة من أجل المتعة حين أجاز العزل، لكنّ كل القرائن الفقهية تبيّن أنّ المتعة الجنسية ما هي في نهاية المطاف سوى أداة تسهل خدمة النسل والتكاثر. وواضح أنّ “تبذير” المنيّ في المتعة وحدها أوضح في العلاقة المثلية بين الرجلين (وفي “اللوطية الصغرى)، لأنّ القذف في غير موضع الحمل لا يخدم النموّ الديموغرافي للإمبراطورية الإسلامية الناشئة. وكما هو معروف، كان تكاثر النسل أحد أسس القوّة الاقتصادية والسياسية، الفردية والجماعية، العائلية والقبلية، في عهود كانت تتميّز بارتفاع نسبة الوفيات. من أجل هذا الاعتبار، كانت المثلية الجنسية مرفوضة، فهي عقيمة بذاتها وفي ذاتها، متعويّة و/أو غرامية بطبيعتها، عاجزة عن تكثير صفوف المسلمين.

لا شكّ أنّ عقم المثلية يشكّل أحد الأسباب الرئيسة في تحريمها ومعاقبتها، كما أنّ هاجس تجنّب الحمل غير المشروع كان الدافع الأساسيّ في تحريم الزّنا (لأنّه يؤدّي إلى خلط الأنساب والأموال). في كلا التحريمين هاجس اقتصاديّ محدّد في نهاية المطاف، هاجس مغلّف باعتبارات أخلاقية وسيكولوجية أبيسية تجعل من المثليّة الجنسية شذوذا ومن الرجولة إيلاجا وإيلاجا فقط. اليوم، تغيّرت الأمور ولم تعد القوّة تتأسّس على الكثرة، أي على منطق قبليّ قام عليه الإسلام ومدّده واحتفظ به لقرون طويلة. حان الأوان لتجاوز ذلك المنطق الذي يجعل من الجنسانية أداة في خدمة إنجاب تكاثريّ. بتعبير آخر، لم يبق الهاجس التكاثريّ مهيكلا لإسلام اليوم، وبالتالي لم يبق السبب الرئيس في تحريم المثلية الجنسية سببا قائما.

خلاصة اليوم أنّه لا بدّ اليوم من تفعيل مبدأ “خصوصية السبب”، بمعنى أنّ اندثار السبب يؤدّي منطقيا إلى تهافت الحكم. والمقصود هنا أنّ فكّ الارتباط بين القوة والكثرة من جهة وبين الجنسانية والإنجاب من جهة أخرى يؤدّي إلى تطبيع المثلية الجنسية واعتبارها اتجاها جنسيا سويّا ومشروعا.


4. الاجتهاد تفقيه مضادّ

خلافا لإرادة تحويل الإسلام إلى قانون ينظّم حياة الأمّة، وهي إرادة فقه الخليفة، يسير التصوّف الإسلامي في اتجاه معاكس تماما، في اتجاه يجعل من الإسلام طريق وصال يسلكه المؤمن لبلوغ الحقيقة. في إطار التصوّف، لا يبقى التقيّد بالمعنى الحرفيّ للنصوص واجبا لأنّ الحقيقة فوق الشريعة. يسمح هذا الموقف للمتصوّفة وللطرق وللزوايا بتبنّي قيم وسلوكيات تناقض ظاهر النصوص المرجعية الذي يدين المثلية الجنسية. “إنّ التكليف خاصّ بالعوامّ ساقط عن الخواصّ” في نظر الصوفية، وهي قاعدة تبيح التمتّع بالنظر إلى “وجوه المرد” الحسنة في حلقات الذكر. فعشق تلك الوجوه تعبير عن عشق الذات الإلهية ومحاولة التقرّب إليها. وفي الطرق، كان الراشدون يعانقون المريدين الشباب من الخلف ومن الأمام حسب مسعود القناوي في كتابه “فتح الرحمان”. إنّها “متعة الفقراء” (إلى الله). وتحكي بعض سير الأولياء أنّهم كانوا مثليين في حياتهم فأعطوا شرعية للسلوكيات والهويات المثلية من داخل الإسلام (الصوفيّ) وتحوّلوا إلى قدوة (جنسمثليّة) لأتباعهم.

هذا ما يحكى مثلا عن عليّ بن حمدوش، الولي الصالح المدفون في نواحي مدينة مكناس بالمغرب. وحسب الرواية الشفوية، كان علي بن حمدوش يلبس زيّ النساء ويعبّر عن أنوثته بفضل ذلك. ويبدو أنه لم يتزوّج قطّ ولم يترك ذرية. اليوم، أصبح ضريحه مزارا يقصده المثليّون المغاربة. أكيد أنّ هذه الرواية تلتقي بشكل ما مع ما قاله أبو يزيد البسطامي بصدد المتصوّفة: “أولياء الله عرائس الله تعالى”. وهو ما تمّ تأويله على أنّ المتصوفة هم/هن نساء الله. وتقرّ رواية شفوية أخرى أنّ الوليّة عائشة السودانية المدفونة غير بعيد عن ضريح علي بن حمدوش تحوّلت إلى رجل للدفاع عن نفسها عندما حاول بعض الرجال اغتصابها. ثمّ رفضت بعد ذلك كلّ تعامل جنسيّ مع الرجال. وهو ما دفع المخيال الشعبيّ إلى اعتبار عائشة السودانية سحاقية ونموذجا مرجعيا يسدل الشرعية على السحاقية من داخل الإسلام الصوفيّ الشعبيّ.

لا يهمّ أن تكون لهذه الروايات واقعية تاريخية، الأهمّ هو حاجة الطبقات الشعبية الفقيرة إلى أسلمة المثلية الجنسية واستدماجها في [وبـ]المقدّس، ضدّا على التحريم الفقهيّ السائد. وبشكل أعمّ، تزخر كتب مثل كتاب “الطبقات” للشعراني وكتاب “كرامات الأولياء” للنبهاني بقصص كثيرة تجعل من السلوكيات المثلية لدى الصوفية كرامات متكرّرة خصّ بها الله أولياءه.

خلاصة الموقف الصوفي الروحاني أن الجنسمثليّ خليقة الله. هل يمكن لأحد أن يرفض هذه الحقيقة الصوفية، البسيطة والدامغة؟ هل يخطئ الله في خلق المثليّ مثليّا؟ هل من حقّ الإنسان أن يقتل خليقة الله؟ أليس الإسلام قبولا ومحبّة لكلّ خلائق الله، كيفما كان اتّجاهها الجنسيّ؟ إنّ الطرح الصوفيّ يرفض التطرّف الجنسي الأبيسي ويرفض كلّ عنف مادّيّ أو رمزيّ ضدّ الممارسات والهويات الجنسمثليّة وما بين الجنسيّة. فالأقلّيات الجنسيّة لها أيضا الحقّ في الوجود، بل في الوجود العموميّ. يكمن الرهان إذن في تحويل التعدّد الجنسي (الذي هو واقع قائم يعبّر عن إرادة إلهية) إلى وضع مشروع، وفي ترجمته إلى مواطنة جنسية: حقّ كلّ مسلم بالتمتع بكلّ الحقوق (الجنسية) مهما كان اتّجاهه الجنسيّ.


5. الاجتهاد تحيين

المقصود بالتحيين الإنصات إلى التطوّر الاجتماعيّ وأخذه بعين الاعتبار. فقد أثبتت الدراسات السوسيولوجية العربية القليلة في الموضوع أنّ بعض الجنسمثليين الإستيين أصبحوا يتقبّلون أنفسهم ويتبنّون ممارساتهم وهويّتهم. لم يبقَ معاشهم الداخليّ سلبيا بحيث أنّ الشعور بالنقص وبالعار اندثر تدريجيًا. وتؤشّر نفس الدراسات إلى تشكّل أزواج جنسمثلية (couples) قارّة على أساس التفاهم والحبّ والمساواة. ويستشير البعض من أولئك الأزواج أخصّائيين نفسانيين من أجل تحسين جودة علاقتهم المثليّة. من جانب آخر، يحصل اليوم تطوّر في الإدراك الاجتماعيّ للمثلية الجنسية. فـ 44 في المائة من المغاربة مثلا يرون أنّ “كلّ كائن بشريّ مزيج من الأنوثة والذكورة”. ويقرّ 25 في المائة أنّ المثلية الجنسيّة الإستيّة لا تفقد الرجل رجولته. إنّها مؤشّرات تدلّ على ميلاد ونشأة تعريف غير أبيسي للرجولة في العالم الإسلاميّ.

6. الاجتهاد، علمنة للمعاملات

بالإمكان أن تقوم شرعية المثليّة من داخل الإسلام على الفصل بين العقيدة والمعاملات. إنّ عدم تجريم المثلية الجنسية لا يمسّ العقيدة ولا الإيمان ولا هويّة الدولة الإسلامية. فالإسلام يكمن في صحّة العقيدة وفي قوّة الإيمان وليس في تطبيق تشريع مضطرّ للتغيّر والتجدّد والتكيّف حسب الأمكنة والأزمنة، وحسب المصالح وميزان القوى بين الشرائح الاجتماعية. أيضا، لا يمكن قياس درجة إسلام دولة ما بدرجة حرفيتها، أي وقوفها عند المعنى الظاهر للنصوص المقدّسة. صحيح أنّ الحرفية موقف لا يخلو من مشروعية، لكنّ المشروعية لا تكمن فقط في الحرفية وفي تطبيق مقتضيات المعنى الظاهر للنصّ. من خير الأدلّة على ذلك، مثال الاسترقاق الجنسيّ. إنّ منعه وتجريمه اليوم يناقض ما جاء به النص المقدّس صراحة، وهو تحريم لما أحلّه الله. فهل المطلوب اليوم من الدول الإسلامية المعاصرة أن تعود إلى حلّية الاسترقاق الجنسيّ، وإلى حلّية الاسترقاق بشكل عامّ؟ أم هل ينبغي أن ننظر إلى تجريم الاسترقاق من طرف الدول الإسلامية المعاصرة، بفضل تطبيق المواثيق الدولية، ارتقاءً بالإسلام وتطهيرا له من كلّ موقف تمييزيّ على أساس اللون والسبي والقوة؟ ألا ينبغي أن نستمرّ في هذا المسلك العقلانيّ وأن نطهّر الإسلام من كلّ موقف تمييزيّ على أساس الاتجاه الجنسيّ أيضا؟ إنّ تجريم الاسترقاق الجنسيّ لا يقلّل من شأن الإسلام بل يخدمه رغم مناقضته لنصوص صريحة وقطعية، وهو الأمر الذي ينطبق أيضا على المثلية الجنسية إذ أنّ شرعنتها تخدم بدورها الإسلام وتعزّز شموليته. في كلتا الحالتين مناهضة لشكلين من التمييز الاجتماعيّ، هما العبودية وكره المثْل (homophobie).

بديهي أنّ شرعنة المثلية من طرف الإسلام ستحبّب الإسلام إلى المثليّين وإلى كلّ المدافعين عن حقوق الإنسان وعن الحرّيات الفردية. فمن المشروع أن نتساءل: كيف يمكن للجنسمثليّ أن يتقبّل وأن يحب إسلاما يقول برجمه وبجلده وبحبسه وبتغريمه؟ إنّ علمنة القانون الخاصّ بالمثلية الجنسية (في اتجاه شرعنتها) تحرير للإسلام من موقف غير عقلانيّ وغير مساواتي. وهذا إجراء لا يمسّ بتاتا العقيدة ولا الإيمان. رغم كلّ ما تقدّم من اعتبارات، لا تعني شرعنة المثلية باسم قانون وضعي منع بعض المسلمين من الاستمرار في تحريم المثلية الجنسية على أنفسهم (إن شاؤوا). فذلك أمر يهمّهم كأفراد في حياتهم الخاصّة. لكن ليس من حقهم تحويل رؤياهم هاته إلى قانون يسري قسرا على الجميع.


خاتمة

إن الرؤيا القدحية والتجريمية للمثليّة الجنسية تعبّر عند مسلم اليوم عن فقدان التحكّم في صنع التاريخ. أمام ضعف المسلم أمام قوّة الحداثة وما بعد الحداثة، ونظرا لعدم استفادة المسلم من الحداثة، لا يملك مسلم اليوم سوى الرجوع إلى عصر يعتقد أنّه ذهبيّ، إلى عصر يجعل من الرجولة والجنسغيريّة الوضع “الطبيعيّ” النموذجيّ المرجعيّ. إنّه في حاجة إلى أمن جنسيّ يحدّ من قلق أزمة الذات. وطبعا، يجد ذلك الأمن في إسلام “طاهر” وصلب، في إسلام مخلص من كلّ الشوائب الثقافية، مبسّط ومفقر، فوق كلّ تاريخ وفوق كلّ مجتمع، في إسلام أسطوريّ ينقذه من سؤال الهوية، ومن سؤال الهوية الجنسية الرجولية بالذات.

لا بدّ من تذكير مسلم اليوم بالتسامح الذي أبان عنه محمّد (ص) تجاه المثليين الجنسيين، وأبانت عنه أيضا الحضارة الإسلامية في تمظهراتها المزدهرة (الأموية، العباسية، الأندلسية، العثمانية…). من ثمّة يبدو أنّ التشدّد ضدّ المثليّة الجنسيّة مرتبط بعصور الانحطاط والتخلّف خصوصا، أي العصور التي تقف عند التأويلات الضيّقة والمعسرة للنصوص المرجعية.

آن الأوان للتوقّف عن اعتبار آراء الظاهرة والرافضة من المثلية الجنسية بدعة وضلالة، آن الأوان لإعطاء مصير سياسيّ لهذه الآراء التي تبرّئ الجنسمثلي والتي لا تقول بحدّه أو بتعزيره. لماذا لا نجعل من تلك الآراء مصدرا لقوانين إسلامية حداثية تقبل المثليّة (من داخل الإسلام) وتلتقي في الوقت ذاته مع المواثيق والمعاهدات الدولية؟ لماذا لا تدرّس هذه الآراء للتلاميذ والطلبة؟ لماذا لا يتمّ نشرها عبر وسائل الإعلام الإسلامية والدولية؟ لماذا لا يتمّ تبليغها إلى المربّين وإلى الأئمّة وإلى كلّ من له تأثير على الرأي العامّ؟ لماذا لا يتمّ إدماجها في تربية جنسية تقوم على رفض كلّ أشكال التمييز؟

|عبد الصمد الديالمي|